الصفحة 3375 من 4657

] إقرارٌ؛ لأنَّ الحلفَ واجبٌ عليه على تقديرِ صدقِهِ في إنكارِه، فإذا امتنعَ عُلِمَ أنَّه غيرُ صادقٍ في الإنكار، إذ لو كان صادقًا لأقدم على أداء الواجب، وهو الحلف، وإذا كان النُّكول إقرارًا والإقرارُ يجري في هذه الأمور، فيحلفُ حتَّى إذا نَكَلَ [مرَّة] (1) يُقْضَى (2) بالنّكول.

ولأبي حنيفةَ[ (3)

(1) زيادة من ب و م.

(2) في م: فيقضى.

(3) قوله: ولأبي حنيفةَ - رضي الله عنه -... الخ؛ تقريرُه: إنَّ النكولَ بذلٌ وإباحة؛ أي قطعُ الخصومةِ بدفعِ ما يدَّعيهِ الخصم؛ لأنَّ اليمينَ لا تبقى واجبةً مع النكول، وما كان كذلك فهو إمَّا بذلٌ أو إقرار، لكنَّ كونه بذلًا أولى؛ لئلا يصيرَ كاذبًا في الإنكارِ السَّابق، وهذهِ الحقوقُ لا يجري فيها البذلُ والإباحة، ألا ترى أنّه لو قال رجل: أنا حرٌّ، ودفعتُ نفسي إلى هذا ليَسْتَرقَّنِي، أو قال: أنا ابنُ فلان وأبحتُ لهذا أن يدَّعي نسبي، أو قالت امرأة: لستُ بزوجةٍ لهذا، وأبحت نفسي له، لا يصحّ [أن] يقضي عليه بالنكولِ كالقصاصِ في النفس، وكالحدودِ واللِّعان؛ ولهذا لا يجوزُ إلاَّ في مجلسِ القاضي وبقضائه، ولو كان إقرارًا لجازَ مطلقًا، وبدونِ القضاء.

وكذا لو كفلَ رجلٌ لرجلٍ بما يقرُّ له به فلان، فادَّعى المكفولُ له على فلانٍ دينًا، فاستحلفَهُ فنكلَ لا يجبُ على الكفيلِ شيء، ولو كان إقرارًا لوجبُ عليه. وكذا لو اشترى نصفَ عبدٍ ثم اشترى نصفَه الباقي، فوجدَ به عيبًا فخاصمَه في النصفِ الأوّل، فاستحلفَهُ فنكلَ قضى عليه بالردّ، ثمَّ أرادَ أن يردَّ النصفَ الآخرَ يحتاجُ إلى خصومةٍ واستحلافٍ جديدٍ إذا أنكر، ولو كان إقرارًا لما استحلفَ ثانيًا، بل كان يلزمُهُ كلُّهُ بالنُّكولِ الأوّل، وهذا لأنَّ اليمينَ تجبُ عليه إذا طلبَ تحليفَه لتنتهي به الخصومة، ومع البذلِ لا خصومةَ ولا طلب، فلا يجب.

وإنّما جازَ من المكاتَبِ والعبدِ والصبيِّ المأذونِ لهما؛ لأنَّ [فيه] ضرورةً، فيدخلُ تحتَ الإذنِ في التجارة، كما تدخلُ الضيافةُ اليسيرةُ والهديةُ اليسيرة، إذ لا بُدَّ للتجارةِ من ذلك، وإنّما جازَ في الدَّينِ بناءً على دعوى المدَّعي.

ومعنى البذل: تركُ المنع، وتركُ المنعِ جائزٌ في المال؛ لأنَّ أمرَ المالِ هيِّن، بخلافِ هذه الأشياءِ السبعة، وإنّما وجبَ على القاضي أن يقضيَ بالنكولِ بحكمِ الشرعِ لِمَا أنَّ المدَّعي كان له الشيءُ المدَّعى ظاهرًا، وأبطلَهُ المنكرُ بالنِّزاع، والشرعُ أبطلَ نزاعَهُ إلى اليمين، فإذا امتنعَ اليمينُ عادَ الأصلُ بحكمِ الشرع، وإنّما صحَّ إيجابُهُ بالذمَّةِ ابتداءً بناءً على زعمِ المدَّعي أنّه مُحِقٌّ، وأنَّ معنى البذلِ تركُ المنع، ولئن كان بذلًا حقيقةً، فالمالُ يجبُ فيه في الذمَّةِ ابتداءً كالكفالةِ والحوالة.

وذكرَ في (( شرحِ الجامعِ ) )لقاضي خان - رضي الله عنه -، [و] (( الواقعات ) )، و (( الفصول ) ): إنَّ الفتوى على قولهما، وهو اختيارُ فخرِ الإسلام - رضي الله عنه - ، وقيل: هو اختيارُ المتأخّرين، وقيل: ينبغي للقاضي أن ينظرَ في حالِ المدَّعي فإن رآه مُتَعَنِّتًا يأخذُ بقولهما ويحلِّفُه، وإن رآهُ مظلومًا لا يحلِّفُه، وهو نظيرُ ما اختارَهُ شمسُ الأئمَّةِ - رضي الله عنه - في التوكيلِ بالخصومة لغيرِ رضاءِ الخصم: إنَّ القاضي إن رأى من الخصمِ التعَنُّت وقصدَ الإضرارَ بالآخرِ قبل التوكيلِ بغيرِ رضاه، وإلاَّ فلا.

ثمَّ اعلم أنّه إذا لم يستحلفْ المنكرَ عند الإمامِ في النسبِ هل تقبلُ بيّنةُ المدَّعي؟ ينظرُ: فإن كان نسبًا يثبت بالإقرارِ تقبلُ بيِّنتُه مثلُ: الولدِ، والوالدِ، وإن لم يثبتْ بإقرارِهِ لا تقبلُ بيِّنتُه مثلُ: الجدِّ، وولدِ الولد، والأعمامِ، والأخوةِ، وأولادهم؛ لأنَّ فيه حملُ النسبِ على الغيرِ بخلافِ دعوى المولى الأعلى أو الأسفل حيث تقبلُ، وإن ادّعى أنه مُعْتَقُ جَدِّه، ونحو ذلك، والتفصيلُ في (( السراجِ الوهّاج ) )وغيره. [ينظر: (( التبيين ) ) (4: 298) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت