فهرس الكتاب
(وحلفَ[(1)
(1) قوله: [و] حلف اليهودي؛ لما روى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال لليهود: (( وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على مَن زنى ) )، أخرجَه أبو داود (3: 312) ، [والحديث في البخاري (3: 1330) بلفظ آخر] ؛ ولأنّ أهلَ الكتاب يعتقدون نبوةَ نبيِّهم فيؤكَّدَ عليهم بذكر المُنَزَّل على نبيِّهم، والمجوسيُّ يعتقد تعظيمَ النار فيؤكَّد عليهم بذكر خلقها، والوثنيُّ وهو الذي يعبدُ غير الله تعالى يعتقدُ أن الله تعالى خالقه، وإنّما يشركُ مع الله تعالى غيره بدليل قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [لقمان: 25] .
ذكر الطَّحْطَاويّ [في (( حاشيته ) ) (3: 301) ] نقلًا عن (( البدائع ) ) (6: 228) : لا يحلف على الإشارة إلى مصحف معيّن: أي من التوراة بأن يقول: بالله الذي أنْزل هذه التوراة أو هذا الأنجيل؛ لأنه ثبت تحريفُ بعضِهما، فلا يؤمن أن تقع الإشارة إلى الحرف المحرف فيكون التحليف تعظيمًا لما ليس كلام الله. انتهى.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه: إنه لا يحلفُ أحدٌ إلاَّ بالله تعالى خالصًا احترازًا عن إشراك غيرِه في التعظيمِ مع اللهِ تعالى، وذكر الخَصَّاف - رضي الله عنه: أنه لا يحلفُ غير اليهوديِّ والنصرانيِّ إلا بالله تعالى، وهو اختيارُ بعض مشايخنا؛ لأن في ذكر النار في اليمين تعظيمٌ لها؛ لأن اليمين تشعرُ بذلك، ولا ينبغي أن يعظِّمَ النار بخلاف التوراة والإنجيل؛ لأن تعظيمَ كتبِ الله تعالى واجبٌ، وما ذُكِر هاهنا هو المذكور في الأصل، فكأنه وقع عند محمد - رضي الله عنه: يعظمونها تعظيم المسلم الشعائرَ، ولا يعبدونَها حقيقةً. هكذا ذكر الزَّيْلَعِيُّ [في (( التبيين ) ) (4: 302) ] ، وغيره.
لكن يشكلُ عليه: إن الدهريّة منهم لا يعتقدونَه، ولا دلالةَ في الآية على ما ذكر؛ لأن الوثنيَّ يعبدُ غيرَ الله تعالى ويعتقدُ أن اللهَ تعالى خالقُه.
ويمكن أن يقال: إن الدهري هو مَن يقول بقدم الدهر، وبإسناد الحوادث إليه، ويقول: إن مبدأ الممكنات هو الله تعالى كما قيل، فلم يلزم عدم اعتقاد الله تعالى وعدم دلالة النصِّ. فتدبر فيه.
وقال في (( الاختيار ) ) (2: 371) : ولو اقتصرَ في الكلِّ على قولِه بالله فهو كافٍ؛ لأن الزيادةَ للتأكيد كما قلنا في المسلم، وإنّما يغلَّظ ليكون أعظم في قلوبهم، فلا يتجاسرون على اليمين الكاذبة. انتهى. وقال في (( البحر ) ) (7: 214) معزيًا إلى (( المحيط ) ): إن ما ذكر في الكتاب قول محمّد - رضي الله عنه -، وما ذكره الخَصَّافُ - رضي الله عنه - قولهما، وظاهر كلامهم: إن الكافر إذا حلفَ بالله فقط، ونَكَلَ عمَّا ذكر يكفي، ولا يقضي عليه بالنكول عن الوصيف؛ لأنه من باب التغليظ فيكتفي بالله. انتهى.