فهرس الكتاب
(ولا يرجَّحُ بكثرةِ(1) الشُّهود [ (2) ] ): فإنِّ التَّرجيحَ عندنا بقوّةِ الدَّليل لا بكثرتِه.
(ولو ادِّعى[(3)
(1) في ص: تكثيره.
(2) قوله: ولا يرجّح بكثرة الشهود؛ يعني أنّ أحد الخصمين إذا أقام شاهدين، والآخرُ أكثرَ لا يرجَّحُ بكثرة شهوده؛ لأنَّ الترجيحَ يكون لقوَّةٍ في العلَّة لا بكثرة العلل؛ لأنَّ ما يصلحُ دليلًا مستقلًا لا يصلح للترجيح، وإنّما يرجَّح بالوصف؛ ولهذا لا ترجَّح الآية بآية، ولا خبر بخبر، وإنّما يرجّح بالقوَّة، بأن كان أحدُهما متواترًا، والآخرُ من الآحاد، أو كان أحدُهما مفسَّرًا والآخرُ مجملًا، فيرجَّح المفسَّرُ على المجمل، والمتواتر على الآحاد؛ لقوَّةِ وصفٍ فيه، وكذا لا يرجّح قياس بقياسٍ لما ذكرنا.
(3) قوله: ولو ادّعى… الخ؛ توضيح الكلام بحيث ينكشف به المرام: إنَّ الدَّارَ إذا كانت في يدِ رجلٍ ادَّعاها اثنان أحدُهما جميعها، والآخر نصفها، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما البيِّنةَ على ما ادَّعاه، فلصاحب الجميع ثلاثةُ أرباعِ الدَّار، ولصاحبِ النصفِ ربعُها، وهذا عند الإمامِ اعتبارًا لطريق المنازعة؛ لأنَّ مدَّعي الكلّ لا ينازعه أحد في النصف، فيُسَلَّم له من غيرِ منازعة، ثمَّ استوت منازعتُهما في النصفِ الآخر، فيكون بينهما، فسَلَّم لمدَّعي الكلِّ ثلاثةُ أرباعِها، ولمدَّعي النصفِ سَلَّم ربعها.
وقالا: لمدّعي الكلِّ ثُلُثاها، ولمدّعي النصف: ثلثُها؛ لأنَّ مدّعي الكلّ يضربُ بكلِّها، ومدّعي النصف بنصفها، بطريق العول، وبه قال مالك - رضي الله عنه - في رواية، وعند الشافعي - رضي الله عنه - في قول: تهاترت البيّنتان ويحلف ذو اليد كقابض لهما، فإذا حلف بقيَ في يد ذي اليد.
واعلم أنَّ جنسَ القسمةِ على أربعةِ أنواع:
أحدها: ما يقسمُ بطريقِ العولِ إجماعًا، وهي ثمانُ مسائل: الميراث، والديون، والوصيّة بما دون الثُلُث إذا اجتمعت وزادت على الثلث، والمحاباة، والدراهم المرسلة: يعني التي لم يذكرْ فيها تسقطُ من نصفِ أو ثلث أو ربع أو سدس، والسعايةُ بدينهم، والعبدُ إذا قلعَ عين رجلٍ وقتلَ آخر خطأ، فدفع بهما، والمدبَّر إذا جنى على هذا الوجه.
والثاني: ما يقسمُ بطريقِ المنازعة إجماعًا، وهي مسألة واحدة، فضوليُّ باع عبدًا لغيره من رجلٍ آخر، وفضوليٌّ آخر باعَ نصفه من آخر، فأجازَ المولى البيعين، فاختار المشتري الأخذ، يكون لمشتري الكلُّ ثلاثة أرباعه، ولمشتري النصف الربع بطريق المنازعة.
والثالث: ما يقسَّمُ بطريق المنازعةِ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما: بطريق العول، وهي ثلاثة مسائل:
أحدها: مسألة الكتاب.
والثانية: إذا أوصى لرجل بجميعِ ماله، والآخرُ بنصفِ ماله، وأجازَه الورثة.
والثالثة: إذا أوصى لرجلٍ بعبد بعينه، والآخرُ بنصفِ ذلك العبد، وليس له مال غيره.
والرَّابعُ: ما يقسم بطريق العولِ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما: بطريق المنازعة، وهي خمسُ مسائل:
أحدها: عبدٌ مأذون له في التجارة بين رجلٍ أدانه أحدُهما مئة، وأدانه أجنبيّ مئة، فدينُ المولى يسقطُ نصفه؛ لاستحالةِ وجوب الدين على عبده، وثبتَ نصفه الذي في نصيب شريكه، فإذا بيع بالدَّينِ يقسمان الثمن على الخلاف الذي ذكرناه.
والثانية: إذا أدانَه أجنبيّان أحدُهما مئة، والآخر مئتين يقتسمان ثمنَه على هذا.
والثالثة: عبدٌ قتل رجلًا خطأ، والآخر عمدًا، للمقتول عمدًا وليّان، فعفى أحدُهما فدفعَ بهما، كان بينهما على الخلاف.
والرابعة: لو كان الجاني مدبَّرًا على هذا الوجه، فدفعت قيمتُه كانت بينهما كذلك.
والخامسة: أمّ ولد قتلت مولاها وأجنبيًَّا عمدًا، ولكلِّ منهما وليَّان، فعفى أحد وليَّي كلِّ واحدٍ منهما على التعاقب، فإنّها تسعى في ثلاثةِ أرباع قيمتِها، فتقسَّم بين الساكتين، فيعطى الربع لشريكِ العافي آخرًا والنصف للآخر بينه وبين شريك العافي أوَّلًا أثلاثًا، ثلثاه لشريك العافي أوَّلًا، والثلث للعافي آخرًا عنده، وعندهما أرباعًا، ذكره العَيْنِيّ [في (( الرمز ) ) (2: 146-147) ] ، والشُّمُنِيُّ [في (( كمال الدراية ) ) (ق601-602) ، والزَّيْلَعِيُّ [في (( التبيين ) ) (4: 323-324) ] ، وغيرهم في شروحهم وفتاواهم.