الصفحة 3482 من 4657

وإذا صحَّت الدَّعوةُ بعد موتِ الأمِّ فعند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - يردُّ كُلَّ الثَّمن [ (1) ] ، وعندهما يردُّ حصَّةَ الولدِ لا حصَّةَ الأمّ [ (2) ] .

(ولو ادَّعاهُ بعد عتقِها[(3)

(1) قوله: يردّ كلّ الثمن؛ يعني يردُّ البائعُ إلى المشتري كلَّ الثمن؛ لأنّه تبيّن أنّه باعَ أمَّ ولده، وبيعها باطل، ولا يضمنها المشتري؛ لأنَّ ماليَّتَها غير متقوّم عنده، كالحرّ؛ ولهذا لا يضمن بالغصب عنده.

(2) قوله: يردّ حصّة الولد لا حصّة الأم؛ لأنَّ ماليّتها متقوَّمة عندهم، فيضمنُ بالعقدِ والغصب، فيكونُ مضمونةً على المشتري، فإذا ردَّ الولدُ دونها يجبُ على البائع ردّ حصّة ما سَلَّم له، وهو الولد، كيلا يجتمعُ البدلُ والمبدل في ملكِه، ولا يجبُ عليه ردُّ حصَّةِ ما لم يسلّم له، وهي الأمّ. كذا في (( الرمز ) ) (2: 151) ، وغيره.

وقال الزَّيْلَعِيُّ في (( التبيين ) ) (4: 330) بعد ما ذكرناه: هكذا ذكروا الحكمَ على قولهما، وكان ينبغي أن يردَّ البائعُ جميعَ الثمن عندهما أيضًا، ثمّ يرجعُ بقيمةِ الأمّ؛ لأنّه لمّا ثبتَ نسب الولدِ منه تبيّن أنّه باعَ أمّ ولده، وبيعُ أمّ الولدِ غيرُ صحيحٍ بالإجماع، فلا يجب فيه الثمن، ولا يكون لأجزاءِ المبيع منه حصّة، بل يجبُ على كلِّ واحدٍ من المتعاقدين ردّ ما قبضَه إن كان باقيًا، وإلاَّ فبدله. انتهى.

(3) قوله: بعد عتقها؛ أي بعد عتقِ المشتري إيّاها بأن حبلت في ملكِ رجلٍ فباعَها، فولدت في يدِ المشتري، فادّعى البائعُ ذلك الولدُ بعدما أعتقها المشتري. قال الزَّيْلَعِيُّ في (( التبيين ) ) (4: 330-331) : وعتقهما كموتهما؛ أي إعتاقُ المشتري الأمّ والولد كموتهما، حتى لو أعتقَ المشتري الأمَّ دون الولدِ فادّعى البائعُ الولدَ أنّه ابنه صحَّت دعوته، وثبتَ نسبُهُ منه، ولو أعتقَ الولدَ دون الأمِّ لا تصحُّ دعوتُه لما ذكرنا أنَّ الولدَ هو الأصل، فيعتبرُ قيامُ المانع به حتى يمتنعَ الدَّعوى دون الأمّ كما قلنا في الموت.

وإنّما كان الإعتاقُ مانعًا؛ لأنّه لا يحتملُ النقص بعد ثبوته كالنسب، فصار إعتاقُه كدعوتِه أنّه ابنه؛ ولأنَّ الإعتاقَ يثبتُ الولاء، وهو كالنسب، فلا يمكن إبطاله، كما لا يمكن إبطالُ نسبِهِ بعدما ادّعاه المشتري؛ ولأنَّ للبائعَ حقًّا، وهو حقُّ دعوى النَّسب والاستيلاد، وما ثبتَ للمشتري حقيقة، والحقُّ لا يعارضُهُ الحقيقة، والتدبير كالإعتاق؛ لأنّه لا يحتملُ النقض لما ظهر فيه بعض آثار الحرّية، وهو امتناعُ التمليك، فصار كالاستيلاد، ثمّ إن قامَ هذا المانعُ بالولدِ امتنعت دعوةُ البائعِ لما بيَّنا، وإن قامَ بالأمّ لا يمتنع، فيثبتُ نسبُهُ من البائع، ولا تصيرُ أُمُّه أمَّ ولدٍ له؛ لأنَّ العتقَ فيها لا يمكنُ نقضُه.

ولا يقال: ينبغي أن يبطلَ إعتاقُ المشتري؛ لأنَّ نسبَ الولدِ ثبتَ مستندًا إلى وقتِ العلوق، فتبيَّنَ أنّه باعَ أمَّ ولده، فلم يملكها المشتري، فيبطل البيع، كما لو ولدتِ المبيعة ولدين في بطنٍ واحد، فأعتقَ المشتري أحدَهما، ثمَّ ادَّعى البائعُ الآخرَ أنّه ابنُهُ ثبتَ نسبُهما منه، وبطلَ عتقُ المشتري؛ لأنّه يملكه ضرورةَ أنّهما خلقا من ماءٍ واحد؛ ولهذا يبطلُ سائرِ تصرُّفاتِه مثل البيع والهبة، فكذا العتق وتوابعه؛ لأنّا نقول: ثبوتُ أموميّةِ الولدِ ليس من أحكام ثبوتِ النسب، ولا من ضروراتِه، ألا ترى أنَّ النسبَ يثبتُ في ولدِ المغرورِ وفي ولدِ الأمةِ المنكوحة، ولا تصيرُ أُمُّه أمَّ ولدٍ له، بخلافِ التوأمين؛ لأنّهما خلقا من ماءٍ واحدٍ فما ثبتَ لأحدهما من الأحكامِ ثبتَ الآخرِ ضرورة.

ثمّ إذا لم يبطل عتقُ المشتري في الأمِّ قبل البيعُ يردُّ من الثمنِ ما يخصُّ الولد، ولا يردُّ ما يخصُّ الجاريةَ بالإجماع هاهنا، وذكر الفرقِ لأبي حنيفةَ - رضي الله عنه - في (( المبسوط ) )بين هذا وبين ما إذا ماتت الأمّ: فإنَّ البائعَ فيها يردُّ جميعَ الثمنِ عنده، وهاهنا يردُّ ما يخصّ الولدَ فقط، والفرق أنَّ في الإعتاقِ القاضي كذَّبَ البائعَ فيما يزعمُ أنّها أمُّ ولده، حيث جعلها معتقةً به للمشتري، ولم ينفسخْ البيع بينهما، فبقيَ البيعُ صحيحًا، فيجبُ عليه ثمنُها، بخلافِ فصل الموت فإن زعمَ البائع فيه لم يبطلْ شيء، فبقي معتبرًا في حقّه إذا لم يكن مكذَّبًا شرعًا فيردُّ جميعَ الثمن، وفي الإعتاقِ يردُّ حصّة الولد.

ثمّ جعلَ هاهنا للمولودِ بعد القبضِ حصَّةً من الثمن، كالمولودِ قبله؛ لكونِ البائعِ بسبيل من فسخ البيع بالدعوة، فصارَ كالحادثِ قبل القبضِ في المعنى، وفي الحادثِ قبل القبض له حصَّة من الثمنِ إذا استهلكَه البائع، وقد استهلكه هاهنا بالدَّعوة، ولكونه مستخرجًا من العقد، ومن المشايخ مَن قال: يردُّ البائعَ جميعَ الثمنِ هاهنا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - كما في فصل الموت؛ لأنَّ أمَّ الولدِ لا قيمةَ لها عنده، ولا تضمينَ بالعقد، فيؤاخذُ بزعمه، وإليه مالَ صاحبُ (( الهداية ) ) (3: 177) وصحَّحه، وهو يخالفُ الرواية، وكيف يقال: يستردُّ جميع الثمن، والبيع لم يبطل في الجارية، حيث لم يبطل إعتاقه، بل يردُّ حصَّة الولدِ فقط، بأن يُقَسِّمَ الثمنَ على قيمتِها [بأن] يعتبرَ قيمةِ الأمِّ يوم القبض؛ لأنّها دخلت في ضمانِهِ بالقبض، وقيمةُ الولدِ يوم الولادة؛ لأنّه صارَ له القيمة بالولادة، فتعتبرُ قيمتُهُ عند ذلك. انتهى.

وذكر الإتقانيُّ: إنَّ محمّد - رضي الله عنه - نصَّ عن الإمامِ في (( الجامع الصغير ) ) (ص413) : في الأصل إنَّ الولدَ يردُّ بالحصّة من الثمن، وكذا الكَرْخِيُّ والطحاويُّ كلّ منهما في (( مختصره ) ) (ص355) ، وكذا شمسُ الأئمّة البَيْهَقِيُّ في (( الشامل ) (( الكفاية ) )، وأبو اللَّيثِ في (( شرح الجامع الصغير ) )فظهرَ أنّ ما جرى عليه في (( الهداية ) ) (3: 177) مرجوح، وإن صحّحه. كما ذكرَه عزمي زاده [في (( النتائج ) ) (7: 282) ] ، وكيف يستردُّ كلُّ الثمنِ والبيعُ لم يبطلْ في الجارية، حيث لم يبطلْ إعتاقه، بل يردُّ حصَّةَ الولد فقط، لما ذكرناه من عبارة الزَّيْلَعِيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت