فهرس الكتاب
] ممَّا لا يحتملُ النقض، والإقرارُ بمثله لا يرتدُ بالرَّدِّ (1) .
(ولو كان مع مسلمٍ وكافر، فقال: المسلمُ هو عبدي، وقال الكافر: هو ابني، فهو حرٌّ ابن للكافر) ؛ لأنَّه ينالُ[ (2)
(1) أي إن النسب ممَّا لا يحتملُ النقض بعد ثبوته، وهذا بالإتّفاق، والإقرارُ بما لا يحتملُ النقضَ لا يرتدُّ بالردّ، فيبقى في حقِّ نفسه؛ لأن إقرارَه حجّةٌ في حقِّ نفسه، كمن أقرّ بحرّية عبد الغير فكذّبه المولى، فإنه يبقى في حقِّ المقرّ، فلا يرتدُّ بإقرارِه حتى لو ملكه يومًا عتق عليه لإقراره بذلك. ينظر: (( التبيين ) ) (4: 334) .
(2) قوله: لأنه ينال... الخ؛ تقريره: إنّ الإسلامَ يُرجَّحُ أبدًا، والترجيحُ يستدعي تعارضًا، ولا تعارض هنا؛ لأنَّ التعارضَ لا يكونُ إلاَّ عند وجودِ المساواة، ولا مساواةَ هاهنا؛ لأنَّ النظر للصبيّ واجب، ونظرُهُ في كونِه ابن النصرانيّ وكونه حرًّا أوفر؛ لأنّه ينالُ شرفَ الحريّة في الحال، وشرفُ الإسلامِ في المآل، إذ دلائلُ الوحدانيَّةِ ظاهرة، فيمكنُهُ اكتساب شرفِ الإسلامِ بنفسه، ولو جعلناه عبدًا للمسلم جعلناه مسلمًا تبعًا له، وحرمناه عن الحريّة، إذ ليس في وسعه اكتسابُ الحريّة بخلافِ ما إذا ادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنّه ابنه، حيث يكون المسلمُ فيه أولى؛ لاستوائهما في دعوى البنوّة، فيرجّحُ المسلمُ بالإسلام، وهو أوفرُ للصبيِّ لحصولِ الإسلامِ منه في الحالِ تبعًا لأبيه.
واستشكلَ الشيخُ الأكملُ البَابَرْتِيُّ [في (( العناية ) ) (7: 289) ] بمخالفته لقوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مِشْرِكٍ} [البقرة: 221] ، ودلائلُ التوحيد وإن كانت ظاهرةً لكن الألفةَ مع الكفار مانع قويّ، ألا ترى أنّ آباءه كفروا مع ظهور أدلّة التوحيد، ويؤيِّدُه أنَّ الذميّة المطلقة أحقُّ بولدها المسلمِ ما لم يعقل الأديان، أو يخافَ أن يألفَ الكفرَ للنظر قبل ذلك، واحتمالُ الضرر بعده.
وأجيب بأنَّ قوله تعالى: {ادْعُوهُم لآبَائِهِم} [الأحزاب: 5] ، يوجبُ دعوةَ الأولادِ لآبائهم، ومدّعي النسب أب؛ لأنَّ دعوتَه لا تحتملُ النقض، فتعارضَت الآيتان، وكفرُ الآباءِ جحود، والأصلُ عدمه، ألا ترى إلى انتشارِ الإسلامِ بعد الكفر في الآفاق، وأمّا الحضانة فتركها لا يلزمُ منه رقّ، بخلافِ تركِ النسبِ هاهنا، فإنَّ المصيرَ بعده إلى الرقّ، وهو ضررٌ عظيمٌ لا محالة، وهذا تبرُّع، وهو محسن، وليس على المحسن من سبيل، وبخلاف التزويج؛ لأنّه موضوع للاستيلادِ وطلب النسل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( تناكحوا توالدوا تكثَّروا... ) )الحديث [ورد بألفاظ مختلفة قريبة من هذا في (( سنن البيهقي ) ) (7: 87) و (( صحيح ابن حبان ) ) (9: 264) ، و (( المستدرك ) ) (2: 329) ، و (( سنن النسائي ) ) (3: 271) ، و (( سنن أبي داود ) ) (2: 220) ، (( المعجم الكبير ) ) (20: 219) ، و (( مسند الشاميين ) ) (1: 413) ، و (( مسند الشهاب ) ) (1: 171) ، وغيرها] ،
فإذا لم يسلم ما هو المقصودُ به رجعَ بذلك على مَن غرّه، والمقصودُ بوضعِ الهبة إظهارُ الجود والسماحةِ وثبوتُ الملك، وهذا المقصود يتحقّق بدون الاستيلاد. كذا في (( المنح ) ) (ق2: 175/ب) ، و (( التبيين ) ) (4: 334) ، وغيرهما.