فهرس الكتاب
(فإن استثنى كيليًا أو وزنيًا من دراهم صحَّ قيمته(1) ، وإن استثنى غيرُهما منها لم يصحّ)، إن قال له[ (2)
(1) في أ و ج: قيمة.
(2) قوله: إن قال له… الخ؛ يعني لو قال: له عليَّ مئةُ درهم إلاَّ دينارًا، أو قال: له عليَّ مئةُ درهمٍ إلاَّ قفيز حنطة، صحّ الاستثناءُ فيلزمُهُ ألفُ درهم إلاَّ قيمة القفيزِ من الحنطةِ أو الدينار، وهذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - وأبي يوسفَ - رضي الله عنه -، وهو الاستحسان، وقال محمَّد وزفرُ وأحمد - رضي الله عنهم: لا يصحُّ هذا الاستثناء، وهو القياس؛ لأنَّ الاستثناءَ إخراجُ بعض ما يتناوله صدرُ الكلام، على معنى أنّه لولا الاستثناء لكان داخلًا تحت الصدر، وهذا لا يتصوَّرُ في خلاف الجنس.
ووجه الاستحسان: إنّ المقدَّراتَ جنسٌ واحد معنىً، وإن كانت أجناسًا صورةً؛ لأنّها تثبتُ في الذمَّةِ ثمنًا، أمّا الدينار فظاهر، وكذا غيره؛ لأنَّ الكيليَّ أو الوزنيَّ مبيعٌ بأعيانهما ثمنٌ بأوصافهما، حتى لو عُيِّنا تعلَّقَ العقدُ بأعيانهما، ولو وَصَفا ولم يُعيِّنا صارَ حكمُها كحكمِ الثمنين؛ ولهذا يستوي الجيّد والرديءُ فيهما، فكانت في حكمِ الثبوت في الذمَّةِ كجنس واحد معنىً، فالاستثناء تكلُّمٌ بالباقي معنىً لا صورة، بخلاف غيرهما من الثوب وغيره، فإنّه مثلًا ليس جنس المقدَّرات معنىً؛ لأنّه لا يصلح ثمنًا، فلم يكن استثناؤه استخراجًا لا صورةً ولا معنىً، فكان باطلًا معنى.
وقال الشافعيّ - رضي الله عنه: صحَّ هذا الاستثناء، وبه قال مالك - رضي الله عنه -؛ لأنَّ حكمَ الاستثناءِ امتناعُ ثبوت الحكم في المستثنى؛ لقيامِ الدَّليل المعارض، فإذا قال: له عليَّ عشرةٌ إلا خمسة، فكأنّه قال: إلا خمسة فإنّها ليست عليّ، فإذا كان بطريق المعارضة من جنسِه يجبُ إخراجُ قدره، وإن كان من خلاف جنسه يجبُ إخراج قيمته عملًا بالدليلِ المعارض [بقدر] الإمكان.
والجوابُ: إنَّ المعارضةَ لا تثبتُ عند اختلافِ المحلّ؛ لأنَّ انتفاءَ أحدهما لا ينافي ثبوتَ الآخر، فلا يتعارضان، وأيضًا: إنَّ العبدَ لا يقدرُ على أن ينفيَ ما عليه من الواجبِ بطريق المعارضة، فإنّه إذا أقرَّ به لزمَه، ولا يتصوَّرُ أن ينتفيَ بعد ذلك بإنكاره، ولو كان بطريق المعارضة كما ذكره؛ لاستوى فيه البعضُ والكلّ كما كالنسخ والاتّصال والانفصال؛ لأنّه لا يشترط في المعارضِ أن يكون مقارنًا، وإنّما ذلك في المغيِّر، وأيضًا: الإقرارُ خبرٌ، فلو كان بطريقِ المعارضةِ لكان أحدُهما كذبًا، وذلك لا يجوز؛ لكونه موجودًا في القرآن المجيد، حيث قال عزَّ من قال: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلَفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَامًَا} [العنكبوت: 14] ، والمرادُ به أنّه لبثَ فيهم تسعمئةٍ وخمسينَ عامًا.
وإن استثنى غير الكيليّ والوزنيّ من الدراهم لم يصحَّ الاستثناء باتِّفاقِ أصحابنا، فإذا قال: له عليَّ مئةُ درهمٍ إلا ثوبًا أو دارًا أو شاةً بطلَ الاستثناء اتِّفاقًا، ويلزمه مئة درهم؛ لأنَّ ذلكَ القدرَ لا يفيدُ الاتّحاد الجنسيّ، وعند الشافعيّ - رضي الله عنه - يطرحُ قيمتُهُ من المستثنى منه. [ينظر: (( التبيين ) ) (5: 15) ، ودرر الحكام )) (2: 364) ] .