الصفحة 3558 من 4657

(وإن أقرّ[(1)

(1) قوله: وإن أقرَّ… الخ؛ يعني إن أقرَّ المريضُ بشيءٍ لرجلٍ أجنبيٍّ ثمَّ أقرَّ أنّه ابنُهُ ثبتَ نسبُهُ منه؛ لأنَّ النسبَ من الحوائجِ الأصليّة، ولا تهمةَ فيه، وبطل إقرارُه؛ لأنَّ دعوةَ النسبِ تستندُ إلى زمانِ العلوق، فظهر أنّ البنّوةَ ثابتةٌ زمان الإقرار فبطلَ إلا عند الشافعيّ - رضي الله عنه - في الأصح، ومالك: لا يبطل إذا لم يتهم، صرَّح به العَيْنِيُّ [في (( الرمز ) ) (2: 161) ] ، والشُّمُنِيُّ [في (( كمال الدراية ) ) (ق590) ] ، وغيرهما.

وإن أقرَّ المريضُ لأمرأةٍ أجنبيّة ثمَّ تزوَّجها لا يبطلُ إقرارُه لها، وقال زفر - رضي الله عنه: يبطلُ؛ لأنّها وارثةٌ عند الموت، فيحصل التهمة.

ولنا: إنّه أقرَّ وليس بينهما سبب التهمة، فلا يبطلُ بسبب حادث بعده، والأصلُ في هذا الباب أنَّ العبرةَ لكونه وارثا وقتَ الموت لا وقت الإقرار، إلاَّ إذا صارَ وارثًا بسببٍ جديدٍ كالتزويج وعقد المولاة، صرَّح به في (( البحر ) )7: 254)، وغيره. وتفصيلُهُ: إنّ الإقرار لا يخلو:

إمّا أن يكون المقرُّ له وارثًا وقت الإقرار دون الموت.

أو كان وارثًا فيهما ولم يكن وارثًا فيما بينهما.

أو لم يكن وارثًا وقت الإقرار.

فإن كان وارثًا وقتَ الإقرار دون وقت الموت، بأن أقرَّ لأخيهً مثلًا ثمَّ ولد له ولدٌ يصحُّ الإقرار؛ لعدم كونه وارثًا وقت الموت.

وإن كان وارثًا فيهما لا فيما بينهما، بأن أقرَّ لامرأته ثمَّ أبانَها وانقضتْ عدَّتُها ثمَّ تزوَّجَها، أو والى رجلًا فأقرَّ له ثمَّ فسخَ الموالاة ثمّ عقدَها ثانيًا لا يجوزُ الإقرارُ عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه -؛ لأنَّ المقرَّ متَّهمٌ في الطلاق وفسخُ الموالاة ثم عقده ثانيًا. وعند محمّد - رضي الله عنه - يجوز؛ لأنَّ شرطَ امتناع الإقرارِ أن يبقى وارثًا إلى الموت بذلك السبب، ولم يبقَ إلاَّ أنّه لمّا صار أجنبيًّا نفذَ الإقرارُ كما لو أنشأه في ذلك الوقت، ألا ترى أنّه لو لم يعقد ثانيًا كان جائزًا، فكذا إذا عقدَ.

وإن لم يكن وارثًا وقت الإقرار، ثمَّ صار وارثًا وقت الموت ينظر: فإن صار وارثًا بسبب كان قائمًا وقت الإقرار بأن أقرَّ لأخيه وله ابنٌ ثمَّ ماتَ الابن قبل الأب لا يصحّ، وإن صار وارثًا بسبب جديد كالتزويج، وعقد الموالاة، جاز. وقال زفر - رضي الله عنه: لا يجوز؛ لأنَّ الإقرارَ حصل للوارث وقت الموت، فصار كما إذا صارَ وارثًا بالنسب.

ولنا: إنَّ الإقرارَ حين [صدر] حصلَ للأجنبيّ لا للوارث، فنفذَ ولزم فلا يبطلُ بخلاف الهبة؛ لأنّها وصيّة؛ ولهذا يعتبر من الثُلُث، فيعتبرُ وقتُ الموتِ بخلاف ما إذا صارَ وارثًا بالنسب، بأن أقرَّ مسلمٌ مريضٌ لأخيه الكافر ثمَّ أسلمَ قبل موته أو كان محجوبًا بالابن ثمَّ مات الابن، حيث لا يجوز الإقرار له؛ لأنَّ سبب الإرثِ كان قائمًا وقت الاقرار.

ولو أقرَّ لوارثه ثمَّ مات المقرُّ له ثم المريض، ووارثُ المقرّ له من ورثة المريض لم يجز إقرارُه عند أبي يوسف - رضي الله عنه - أوّلًا؛ لأنَّ إقراره حصل ابتداءً وانتهاء، وقال آخرًا: يجوز، وهو قول محمّد - رضي الله عنه -؛ لأنّه بالموت قبل موت المريض خرج من أن يكون وارثًا، وكذلك لو أقرَّ لأجنبي ثمّ مات المقرُّ ثمَّ المريض ووارثه من ورثةِ المقرّ؛ لأنَّ إقرارَه كان للأجنبيّ، فيتمُّ به، ثمّ لا يبطل بموته. صرَّح به في (( التبيين ) ) (5: 26) ، وغيره، فاحفظه فإنه ينفعك إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت