الصفحة 3610 من 4657

] سرًّا: لا أقرَّ لك حتَّى تؤخِّرَه عنِّي، أو تحطَّهُ (1) ففعل، صحَّ عليه، ولو أعلن (2) أخذَ للحال (3) .

[فصل في الدين المشترك]

ولو صالحَ[ (4)

(1) في ب: تحط.

(2) في أ: أعلنا، وفي م: علق.

(3) أي ولو أعلنَ ما قاله سرًّا أخذَ المال من المقرِّ بلا تأخيرٍ وحطٍّ، والمراد بالإعلانِ هو التكلّم به أوَّلًا بين الناس، وليس المرادُ به أنّه بعدما اتَّفقا على الحطِّ والتأخير، فإنّه لا ينقض الصلّح. ينظر: (( مجمع الأنهر ) ) (2: 317) .

(4) قوله: ولو صالح… الخ؛ هذا شروعٌ في بيانِ حكم الدَّين المشترك، وأخَّرَه عن بيانِ حكمِ الدَّينِ المفردِ لتلوِّه عنه طبعًا، والأصلُ في هذا الباب أنَّ الدينَ المشترك إذا قبضَ أحدٌ من الشريكين شيئًا من ذلك الدَّين شاركه الآخرُ فيه، ووجهه: إنَّ الدَّين ازدادَ بالقبض، فإنّ ماليَّة الدَّين إنّما تكون باعتبارِ عاقبة القبض، وهذه الزيادة راجعة إلى أصل الحقّ، فيصيرُ كزيادةِ الولدِ في الجاريةِ المشتركة، والثمرة في الشجرة المشتركة، ومثل هذه الزيادة يكون مشتركًا بين الشركاء، فهاهنا أيضًا يكون لصاحبه حقّ المشاركة.

ولا يقال: إنَّ زيادة الدين بالقبض لو كانت كزيادةِ الولدِ والثمر لما جازَ تصرُّفُ القابض في المقبوض قبل أن يختارَ الشريك مشاركته، كما في الولد والثمر، فإنَّه لا يجوزُ تصرُّف أحد الشريكينِ بلا إذنِ الآخر؛ لأنّا نقول: إنّ المقبوض قبل أن يختار الشريك مشاركته فيه باقٍ على ملكِ القابض؛ لأنَّ العينَ غير الدَّين حقيقة، وقد قبضَه بدلًا عن حقِّه فيملكُه وينفذُ تصرُّفُه فيه كالهبةِ وقضاءِ دين غريمه، ويضمنُ لشريكهِ حصَّته، فهذا أصلٌ كليٌّ يتفرّع عليه فروعٌ كثيرة فاحفظه.

ومن تلك الفروع الكثيرة ما ذكرَه المصنّف - رضي الله عنه - هاهنا بقوله: ولو صالح… الخ، يعني إذا كان الدَّين مشتركًا بين الشريكين، وصالح أحدُهما عن نصفِه وهو نصيبُه على ثوبٍ، فلشريكهِ الخيارُ إن شاءَ أن يتّبع المديون بنصفِ الدَّين لبقاء حصَّته في ذمَّته أو يأخذ نصفَ الثوب من شريكه؛ لأنّ له حقّ المشاركة فيه؛ لأنه عوضٌ عن دينه، إلاَّ أن يضمنَ المصالحُ للشريك ربعَ الدّين، فإنَّ حقّه في الدَّينِ لا في الثوب، والسرُّ في الخيار: أن أحد الشريكين لا يختصُّ بالمقبوضِ من الدَّين، إذ لا يجوزُ قسمتُهُ قبل القبض، والمقبوضُ خيرٌ من الدَّين، فقضيَّتُهُ أن يضمِّنَه ربعَ الدين، ولا يكون له سبيل على الثوب؛ لأنّه أخذ عوضه، لكنَّ الصلحَ مبنيّ على الحطّ، فلو ألزمنا ربعَ الدَّينِ لتضرَّرَ المصالح؛ لأنّه قد لاُ يبلغ قيمةُ الثوب كلّه ربعَ الدّين، فأثبتنا له الخيار بين أن يرجعَ على المدين بنصيبه، وبين أن يأخذَ نصفَ ما وقعَ عليه الصلحُ أو ربعُ الدَّين، دفعًا للضررِ عنهما بقدر الإمكان.

ثم إنَّ المصنِّفَ - رضي الله عنه - إنّما قال: لو صالح، فإنّه لو اشترى أحدُ الشريكين شيئًا بنصيبِهِ لم يشارك الآخر فيه، كما سيصرِّح به، وإنّما قال: أحدُ ربيّ دين، ووضعَ المسألة في الدين؛ لأنّه لو كان الصلح عن عين مشتركةٍ يختصُّ المصالح ببدل الصلح، وليس لشريكه أن يشاركَه فيه لكونِهِ معاوضةً من كلِّ وجه؛ لأنَّ المصالح عنه مالٌ حقيقةً، بخلافِ الدَّين فإنَّ ماليَّتَه باعتبارِ عاقبة القبض كما مرّ.

وإنّما قال: على ثوب؛ ومراده أن يكون على خلافِ جنسِ الدَّين؛ لأنّه لو صالحه على جنسِه فالآخرُ يشاركُه فيه، أو يرجعُ على المديون، وليس للقابض فيه خيار؛ لأنّه بمنْزلةِ قبضِ بعض الدّين، ولا فرقَ في هذا الصلحِ بين أن يكون عن إقرارٍ أو سكوتٍ أو إنكار؛ لأنَّ المدعيين يتصادقان على أنّ لهما على المدعي عليه دينًا، وما يأخذُهُ بدلًا عنه، وزعمُهما حجَّةً عليهما، ولو أرادَ القابضُ أن يختصَّ به ولا يرجعُ عليه شريكه فيما قبض، فالحيلةُ فيه أن يهبَه الغريمُ قدرَ دينه، وهو يبرئه عن دينِه أو يبيع الطالبُ كفًّا من زبيب ونحوه بقدرِ نصيبهِ من الدَّين، ثمَّ يبرئه عن الدَّين ويأخذَ ثمنَ الزَّبيب. كما سنذكره مفصّلًا إن شاء الله تعالى. [ينظر: (( العناية ) ) (8: 432) ، و (( التبيين ) ) (5: 46) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت