الصفحة 3638 من 4657

] المالَ فيها): أي في المضاربةِ الفاسدةِ كما في الصَّحيحة.

[شروطها]

(ولا تصحُّ إلاَّ[(1)

(1) قوله: ولا تصحُّ إلا... الخ؛ يعني ولا تصحُّ المضاربةُ إلا بمالٍ تصحُّ فيه الشركة، وهو أن يكونَ رأسُ المالِ دراهمَ أو دنانيرَ عند الشيخين، أو فلوسًا رائجةً عند محمَّدٍ - رضي الله عنه -، حتى أنَّ المضاربةَ بما سوى هذه الأشياءِ لا تجوزُ إجماعًا.

والسرُّ فيه: إنَّ المضاربةَ شركةٌ في الربح، فلا تصحُّ إلا بما تصحُّ به الشركة، وقال ابن أبى ليلى - رضي الله عنه: تصحُّ المضاربةُ في المكيلِ والموزون؛ لأنّها من ذواتِ الأمثال، فتقديرُ رأس المالِ بمثل المقبوض ممكن، وقال مالك - رضي الله عنه: إن المضاربةَ تجوزُ بالعروض؛ لكونها متقوّمةً، يستربحُ عليها بالتجارة عادة، فصارت مثلَ النقدين فيما هو المقصودُ بالمضاربة، وتقديرُ رأسِ المالِ ممكن؛ لكونها متقوّمة؛ ولهذا تبقى المضاربةُ عليها، فجوازُ الابتداءِ بها أولى.

والجوابُ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - (( نهى عن ربحِ ما لم يضمن ) ) [الترمذي (3: 235) ، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (4: 43) ، والحاكم (2: 21) ] ، والمضاربةُ بغيرِ النُّقودِ تؤدِّي إلى ربحِ ما لم يضمن؛ لكونِها أمانةً في يدِ المضارب، وقد تزدادُ قيمتُها بعد الشراء، فإذا باعَها شركةً في الربحِ فحصل للمضاربِ ربح ما لم يضمن، فإنَّ المضاربَ يستحقُّ نصيبَه من غير دخولِ شيء في ضمانه، والنقودُ ليست كذلك، فإنّه عند شرائها يجبُ الثمنُ في ذمَّته؛ لكونها غير متعيِّنة بالتعيينِ والمكيلِ والموزون عروض، ألا ترى أنّها تتعيَّن بالتعيين، فأوّل تصرُّف يكون فيهما ليس إلا البيع، وقد حصلَ بهذا البيعِ ربحٌ بأن باعَه ثمَّ رخصَ سعرُه بعد ذلك، فظهر ربحُهُ بدون الشراء، فيكون استئجارًا على البيعِ بأجرةٍ مجهولة، فيكون باطلًا كما في العروض.

ولو دفعَ ربُّ المالِ إلى المضاربِ عرضًا، وقال: بعه واعملْ به مضاربةً في ثمنه، فباعَ بدراهمَ أو دنانير، وتصرَّف صحّ؛ لأنّه لم يضفِ المضاربةَ إلى العرض بل إلى ثمنِه، والثمنُ منهما يصحُّ المضاربةُ به، وقال الشافعيّ - رضي الله عنه: بعدمِ جواز هذه المضاربة؛ لإضافةِ عقدِ المضاربة إلى ما بعدَ البيع، وقبض الثمن.

والجواب: إنَّ ربَّ المالِ وَكَّلَ المضاربَ أوَّلًا ببيعُ العروض، وهو كبيعه من نفسه، ثمَّ عقد المضاربةِ على الثمنِ المقبوض، وهو كالمقبوض في يده، فوجب القولُ بجوازِه، نعم؛ لو دفعَ إليه العروضَ على أنَّ قيمتَها ألف درهمٍ مثلًا، ويكون ذلك رأسُ المالِ لا تجوزُ المضاربةُ حينئذٍ؛ لأنَّ القيمةَ تختلفُ باختلافِ المقوِّمين، فلا يمكنُ ضبطُها، فلا تصلحُ لرأسِ المال، ولو قال ربُّ المالِ للمضارب: اقبضْ مالي على فلانٍ واعملْ به مضاربةً جاز؛ لأنّه أضافَ المضاربةَ إلى زمانِ القبض، وفي ذلك الوقت يصيرُ الدَّينُ عينًا، والمضاربةُ ممّا يقبلُ الإضافةَ إلى المستقبل؛ لكونها وديعة أو وكالة أو إجارة، وشيء من ذلك لا يمنعُ فيه الإضافةَ إلى المستقبل، ولو قال: اعمل بالدَّينِ الذي في ذمَّتك لا تصحُّ المضاربة؛ لأنَّ المضاربَ أمين ابتداءً، ولا يتصوَّرُ أن يكون الشخصُ أمينًا فيما عليه من الدَّين؛ لأنَّ الدَّين مضمونٌ على مَن هو عليه. كما في غيرِ واحدٍ من الكتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت