فهرس الكتاب
(ولا أن يجاوزَ[(1)
(1) قوله: ولا أن يجاوز… الخ؛ عطف على قوله: ولا أن يقرض؛ يعني وليس للمضاربِ أن يجاوز عمّا عيّنه ربُّ المالِ من بلدٍ أو سلعةٍ أو وقت أو شخص؛ فإنّ عقدَ المضاربة توكيل، وفي التخصيص فائدة؛ لكونِ التجارات مختلفةٌ باختلافِ الأمكنةِ والأوقات والأمتعةِ والأشخاص، بخلاف ما إذا قيَّدَه بسوقٍ معيَّنٍ من المصر، حيث لا يتقيَّد به؛ فإنَّ المصرَ الواحدَ قلَّ ما يتفاوتُ جوانبه وأسواقه؛ لكونِهِ كبقعةٍ واحدة، فلا يفيدُ التقييدُ إلا إذا صرَّح بالنهيّ بأن قال له: اعملْ في هذا السوق، ولا تعمل في غيره، فحينئذٍ يتقيَّد به؛ لأنَّ ربّ المال له ولايةُ التصرُّفِ إليه، بخلاف ما إذا قال: بع نسيئة ولا تبعْ حالًا، حيث كان له أن يبيعَه حالًا عند عدم اختلافِ السعرِ بينهما؛ لأنّه مخالفةٌ إلى خيرٍ بيقين، وهذا كما إذا وكَّل شخصًا ببيعِ عبدِه ألفَ درهم، ونهى عن البيعِ بالزيادة، فباعَه الوكيلُ بألفين جاز؛ لكونه مخالفةً إلى خير، وقد مرَّ بحثه في (كتاب الوكالة) ، فظهر لك أنَّ التقييدَ المفيدَ يعتبر، وغيره لا.
ثمَّ اعلم أنَّ ما يفيدُ التقييدِ من الألفاظ ستّة:
الأوّل: خذه مضاربةً تعمل به في مصر، فقوله: تعمل، تفسيرٌ لقوله: خذه مضاربة، والكلامُ المبهم إذا تعقَّبه تفسيرٌ كان الحكمُ للتفسير.
والثاني: خذه مضاربة فاعمل به في مصر، فهو أيضًا في معنى التفسير؛ لكونِ الفاءِ للوصل والتعقُّب، وما تعقّبَ الكلام المبهم يكون تفسيرًا له.
والثالث: خذه مضاربة لتعمل به في مصر؛ وهذا ظاهر.
والرابع: خذه مضاربةً بالنصف بمصر، فالباءُ فيه للإلصاق، فيقتضي أن يكون العملُ فيه.
والخامس: خذه مضاربةً بالنصف في مصر؛ فإن كلمةَ في للظرف، وإنّما يكون ظرفًا إذا حصلَ الفاعلُ والفعلُ فيه.
والسادس: خذه مضاربة على أن تعمل بمصر، فإنّ على يكون للشرط، فيتقيّد به.
وما لا يفيده عدّة ألفاظٍ:
منها قوله: خذه مضاربة واعمل به في مصر؛ حيث لا يفيدُ هذا التقييدُ حتى لا تجبُ الضمانُ على المضاربِ بالعملِ في غير ذلك المصر؛ لأنَّ الأصلَ في الواو أن لا تكون إلا للعطف، والشيء لا يعطفُ على نفسه بل على غيره، وقد تكون للابتداء إذا كان بعد جملة، فتكون هذه الجملةُ من قبيلِ الشورى لا من قبيل الشرط.
ومنها قوله: اعمل بالكوفة، بعد قوله: خذه مضاربة؛ فإنّه أيضًا يحملُ على المشورة لا على الشرط، والضابطةُ فيه أنَّ ربَّ المالِ متى ذكر عقيبَ المضاربةِ ما لا يمكن التلفُّظُ به ابتداء، ويمكن جعله مبنيًّا على ما قبله يجعل مبنيًّا عليه، كما في الألفاظِ الستّة، وإن استقامَ الابتداءِ به لا يبنى على ما قبله، ويجعل مبتدأ كما في اللَّفظينِ الأخيرين، فللمضاربِ حينئذٍ أن يعملَ في مصرٍ عيّنه أو في غيره، وقد ذكرت هاهنا ما لا بدّ لك منه، وإن شئت زيادةَ التفصيلِ فارجع إلى شروحِ (( الكنْز ) )وحواشي (( الهداية ) ). [ينظر: (( التبيين ) ) (5: 59-60) ] .