الصفحة 3689 من 4657

] نوعًا صُدِّقَ المالك): أي مع اليمين؛ لأنَّ الأذنَ يستفادُ من جهتِه (1) .

كتابُ الوديعة[ (2)

(1) يعني لو ادَّعى كلُّ واحدٍ من المالكِ والمضاربِ نوعًا مغايرًا لما يدَّعيه الآخر، بان قال ربُّ المال في البز، وقال المضاربُ في الطعام، فالقولُ يكونُ للمالكِ مع يمينه؛ لأنّهما اتَّفقا على التخصيص، والإذنُ يستفادُ من جهته، فيكون القولُ له، ولو أقّاما البيِّنةَ فيكون البيِّنةُ بيِّنةُ المضارب؛ لاحتياجه إلى إثباتِ الإذنِ في نوعٍ يدَّعي الإذنَ فيه، حتى ينتفيَ الضمانُ عنه، وعدمُ حاجةِ الآخر، أعني ربِّ المال إلى البيّنة؛ لأنَّ ما يدَّعيه ثبتَ بقولِه، إذ هو التمسُّكُ بالأصل. ينظر: (( التبيين ) ) (5: 76) .

(2) قوله: كتاب الوديعة؛ لا خفاء في اشتراكه مع ما قبله في الحكم، وهو الأمانة. والوديعة: فَعيلة، يعني مفعولة، وأودعتُ زيدًا مالًا: دفعتُه إليه ليكون عنده وديعةً، وجمعُها ودائع، واشتقاقُها من الدَّعة وهي الراحة، أو أخذتُه منه وديعةً، فيكون الفعلُ من الأضداد، ولكنَّ الفعلَ في الدَّفعِ أشهر، واستودعتُهُ مالًا: دفعتُهُ له وديعةً يحفظُه. كذا في (( المصباح ) ) (ص653) . وقال في (( المغرب ) ) (ص480) : أودعتُ زيدًا مالًا، واستودعتُه إيَّاه: إذا دفعتُه إليه ليكون عنده، فأنا مودِعٌ ومستودِع بالكسر، وزيدٌ مودَع ومستودَعٌ بالفتح، والمالُ مودَع ومستودَع؛ أي وديعة. انتهى.

وقال الزَّيْلَعِيُّ في (( شرح الكَنْز ) ) (5: 76) : وفي اللغة: الوديعةُ مشتقةٌ من الودع، وهو مطلقُ الترك، قال - صلى الله عليه وسلم: (( لينتهينّ أقوام عن ودعتهم الجماعات، أو ليختمنّ على قلوبهم ثم ليكتبُنَّ من الغافلين ) ) [ (( صحيح ابن خزيمة ) ) (3: 175) ، و (( سنن النسائي ) ) (1: 516) ، و (( مسند الطيالسي ) ) (1: 263،357) ، واللفظ له] : أي [على] تركهم إيَّاها، قال الله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] ، قُرئت بالتخفيفِ والتشديد، والمودَع الشيءُ المتروك، قال - صلى الله عليه وسلم: (( الإيمانُ نورُ الله تعالى أودعَه في قلوب المؤمنين ) )، فعلى العبدِ أن يسألَ التوفيقَ على حفظِ وديعةِ الله تعالى، وعلى حفظِ جميع الأمانات، فإنّه فرض.

قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (( على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه ) )، رواه أبو داود (4: 296) والتِّرْمِذِيّ (3: 566) ، وقال: حديث حسن، وقال تعالى: {إِنْ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] ، وحفظُها يوجبُ سعادة الدارين، والخيانةُ توجب الشقاء فيها، قال - صلى الله عليه وسلم: (( الأمانةُ تجرُّ الغنى، والخيانةُ تجرُّ الفقر ) ) [ (( مسند الشهاب ) ) (1: 72) ] ، وروى أنّ زليخًا لَمَّا ابتليت بالفقر وابيضَّت عيناها من الحزنِ على يوسفَ - صلى الله عليه وسلم - جلستْ على قارعةِ الطريقِ في زيِّ الفقراء، فقامت تنادي: أيّها الملك؛ اسمع كلامي، فوقف يوسفُ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: الأمانةُ أقامت المملوكَ مقامَ الملوك، والخيانةُ أقامت الملوكَ مقام المملوك، فسأل عنها، فقيل: إنّها زليخًا، فتزوَّجَها مرحمةً عليها. انتهى بأدنى اختصار.

وفي الشرعِ ما ذكره الشارح - رضي الله عنه - بقوله: هي أمانة… الخ.

وركنها: الإيجاب صريحًا؛ لقوله: أودعتُك هذا الثوبَ مثلًا، أو كناية؛ كما قال الرجل: أعطني ألف درهم، أو قال لرجلٍ في يده ثوب: أعطني، فقال: أعطتيك، فهذا على الوديع، نصَّ عليه في (( المحيط ) ) (ص256) ؛ لأنَّ الإعطاءَ يحتملُ الهبةَ والوديعة، والوديعة أدنى، وهو متيقَّن، فصار كنايةً أو فعلًا كما لو وضعَ ثوبَه بين يدي رجلٍ ولم يقلْ شيئًا فهو إيداع، والقبولُ من المودعِ صريحًا كقوله: قبلتها، ونحوه أو دلالة، كما لو سكتَ عند وضعه بين يديه، فإنّه قبول دلالة، حتى لو قال: لا أقبل لا يكون مودعًا؛ لأنَّ الدلالةَ لم توجد.

وشرطها: كونُ المالِ قابلًا لإثبات اليدِ عليه، حتى لو أودعَ الآبق والطير الذي في الهواء، والمال الساقط في البحرِ لا يصحّ، وكونُ المودعِ مكلَّفًا شرطٌ لوجوبِ الحفظِ عليه، حتى لو أودع صبيًّا فاستهلكها لم يضمن، ولو كان عبدًا محجورًا ضمن بعد العتق. كذا في (( المحيط ) ) (ص255) ، وغيره.

وسببُها: تعلُّقِ البقاءِ المقدورِ بالتعاطي.

وشرعيّة الإيداع ثابتٌ بالكتابِ والسنةِ والإجماع:

أمّا الكتاب؛ فقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] .

وأمّا السنة؛ فإنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يودعُ ويستودع.

وأمّا الإجماع فقد أجمعوا على أنّ قبولَ الوديعةِ من باب الإعانة، وهي مندوبةٌ لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم: (( والله في عون العبدِ ما دامَ العبد في عون أخيه ) ) [مسلم (4: 2074) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت