الصفحة 3690 من 4657

(هي أمانةٌ [(1) ] تركتْ للحفظ [ (2) ] ، فلا يضمنُها المودَعُ[ (3)

(1) قوله: هي أمانة؛ أمن بالكسر أمانة، فهو أمين، ثمَّ استعملَ المصدر في الأعيانِ مجازًا، فقيل: الوديعةُ أمانة ونحوه، والجمعُ أمانات. كذا في (( المصباح ) ) (ص24) ، فالأمانةُ مصدر، ثمّ سمّى ما يأتمنُ عليه صاحبه أمانةً تسميةً بالمصدر، واعلم أنَّ الحملَ في قوله: هي أمانة، من قبيل حمل العامِّ على الخاص، وهو جائز، كما يقال: الإنسان حيوان، ولا يقال: الحيوان إنسان، فإنَّ الوديعةَ عبارةٌ عن كون الشيء أمانة باستحفاظِ صاحبه عند غيره قصدًا، والأمانةُ قد تكون من غير قصدٍ بأنّ هبَّت الريحُ بثوب الإنسان وألقته في حجر غيره، وفي الوديعة يبرأ عن الضمانِ بالعودِ إلى الوفاق، وفي الأمانةِ لا يبرأ بعد الخلاف.

(2) قوله: تركت للحفظ؛ قيل لا بدَّ في التعريف من قيد آخر، وهو قولنا: فقط؛ لأنَّ العاريةَ أمانةٌ تركت للحفظ والانتفاعِ معًا. قلنا: اللام في قوله: للحفظ؛ للتعليل، فالمعنى أنَّ علةَ تركها لا تكونُ إلا الحفظُ والسكوتُ في حيّز البيان يؤيّد ما قلنا.

(3) قوله: فلا يضمنها المودع… الخ؛ يعني فلا يضمنُ المودعُ الوديعة إذا هلكت من غير تعيّن منه، سواء أمكن التحرُّزُ عنه أو لا، وسواء هلكَ معها للمودعِ شيءٌ أو لا، ووجهُ الضمانِ ما روى ابن ماجه في (( سننه ) ) (2: 806) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدَّه: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن أودعَ وديعةً فلا ضمان عليه ) ) [قال في (( مصباح الزجاجة ) ) (3: 62) : هذا إسناد ضعيف لضعف المثنى] ، وإنَّ المودعَ متبرِّعٌ بحفظها لصاحبِها، والتبرُّعُ لا يوجبُ ضمانًا على المتبرِّع، إذ لو وجبَ لامتنعَ الناسَ عنه، وفيه تعطيلٌ لمصالحهم، وإن يدَ المودعِ كيد المالك، فيكون هلاكها في يدِه كهلاكها في يد المالك، فلا يضمنُ بالهلاك، وقال مالك - رضي الله عنه: إذا سرقت الوديعةُ من عند المودع ولم يسرق له معها شيء، يضمن للتهمة، ذكره الشُّمُنِّيُّ [في (( كمال الدراية ) ) (ق471-472) ، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت