فهرس الكتاب
])، والفرقُ بينهما أن الرُّجوعَ لا يصحُّ في الصَّدقة؛ لأنَّه وَصَلَ إليه العوض، وهو الثَّواب.
كتاب الإجارة[ (1)
(1) قوله: كتاب الإجارة؛ لَمَّا كانت الهبةُ تشاركُ الإجارةَ في معنى التمليك، وكانت الهبة تمليكَ عين، والإجارةُ تمليكُ منفعة أَخَّرَ الإجارة عن الهبةِ لكونِ العين أقوى، وأيضًا الأعيانُ مقدَّمةٌ وجودًا على المنافع، وأيضًا الأصلُ في الهبةِ عدمُ العوض، وفي الإجارةِ العوض، والعدمُ مقدَّمٌ على الوجود، ثمّ لعقد الإجارةِ مناسبةٌ خاصّةٌ ببيان الصَّدقةِ من حيث أنّها يقعان لازمين، فلذلك أوردَ (كتاب الإجارة) متَّصلًا بذكرِ الصدقة.
والإجارةُ لغة اسمٌ للأجرة، وما هو يستحقُّ على عملِ الخير، ألا ترى أنّه يقال: أعظمَ الله أجرَك.
وشرعًا ما ذكرَه المصنّف - رضي الله عنه - بقوله: وهي بيع يقع… الخ.
وركنها هو الإيجابُ والقبول بالألفاظِ الموضوعة في عقدِ الإجارة، وتفصيلهما مذكورٌ في المبسوطات.
وهي على نوعين:
نوع يردّ على منافع الأعيان؛ كاستئجار الدَّار والأراضي والدوابّ ونحوها.
ونوع يردّ على العمل؛ كاستئجار المحترفين للأعمال؛ كالقصارةِ والخياطة ونحوهما.
وحكمها: وقوعُ الملكِ في البدلين ساعةً فساعة إلاَّ بشرطِ تعجيلِ الإجارة، وكيفيةُ انعقادها أنّها تنعقدُ فيما بين المتعاقدين للحال، وتنعقدُ ساعة فساعةً في حقِّ الحكم، وهو الملك على حسبِ حدوث المنفعة.
وصفتها: إنّها عقدٌ لازمٌ إن كانت صحيحة، عرية عن خيار الشرطِ والعيبِ والرؤية، وما صحَّ أن يكون ثمنًا في البيع: كالنقود والمكيل والموزون صحَّ أن يكون أجرةً في الإجارة، وما لا يصحُّ ثمنًا صلح أجرةً أيضًا؛ كالأعيان مثل العبيد والثياب. صرَّح به في (( الكافي ) )، وغيره.
وأمّا شرائطها فهي على أنواع: شرائطُ الانعقاد، وشرائطُ النفاذ، وشرائطُ الصحة، وشرائط اللزوم.
أمّا شرائط الانعقاد:
فمنها: العقلُ حتى لا تنعقدُ من المجنون، والصبيُّ الذي لا يعقل، والبلوغُ ليس من شرائطها حتى أنّ الصبيَّ العاقلَ لو أجَّرَ ماله أو نفسه فإنّ كان مأذونًا تنفذ، وإلاَّ تقفُ على إجازة الوليّ، والإسلامُ أيضًا ليس بشرط أصلًا حتى يجوز الإجارةُ والاستئجارُ من المسلم والذميّ والحربيّ والمستأمن، وكونُ العاقد طائعًا عامدًا أيضًا ليس بشرطِ للانعقاد ولا للنفاذ، لكنّه شرطَ الصحّة ومنها: الملك والولاية حتى لا تنفذُ إجارةُ الفضوليّ؛ لعدمِ الملك والولاية، لكنه ينعقدُ موقوفًا على إجازةِ المالك عندنا.
ومنها: قيامُ المعقودِ عليه، حتى إذا أجَّر الفضوليُّ فأجازَ المالكُ العقدَ بعد استيفاءِ المنفعة لم تجزْ إجارته، وكانت الأجرة للعاقد؛ لأنَّ المنافعَ المعقود عليها قد انعدمت، وإجارةُ الوكيلِ بأخذه لوجود الولاية.
ومنها: تسليمُ المستأجرِ في إجارة المنازل ونحوها إذا كان العقد مطلقًا عن شرط التعجيل عندنا.
ومنها: أن يكونُ العقد مطلقًا عن شرط الخيار، فإن كان فيه خيار لا تنفذُ في مدَّة الخيار.
وأمّا لشرائط الصحّة:
فمنها: رضاء المتعاقدين.
ومنها: أن يكون المعقود عليه وهو المنافعُ معلومًا علمًا يمنع المنازعة، فإن كان مجهولًا جهالةً تفضي إلى المنازعة يمنعُ صحّة العقد، وإلا فلا.
ومنها: محلُّ بيانُّ المنفعة، حتى لو قال: أجرتُك إحدى هاتين الدارين لا تصحّ.
ومنها: بيانُ المدَّة في الدور المنازل ونحوها وفي استئجار الظئر.
ومنها: بيانُ العملِ في استئجار الضياع، وكذا بيان المعمول فيه في الأجيرِ المشترك بالإشارةِ والتعيين، أو بيان الجنس والنوع والقدر والصفة في ثوب القصارة والخياطة، وبيانُ الجنسِ والقدر في إجارةِ الرعي من الخيل والإبل ونحوهما.
ومنها: أن يكون مقدورَ الاستيفاءِ حقيقةً أو شرعًا، فلا يجوزُ استئجارُ الآبق ولا الاستئجار على المعاصي كالرقص والغناء والنياحة ونحوها.
ومنها: أنّ لا يكون العمل المستأجر له فرضًا ولا واجبًا على الأجيرِ قبل الإجارة، فلئن كان فرضًا أو واجبًا قبلها لا تجوز.
ومنها: أن تكون المنفعةُ مقصودةً معتادًا استيفاؤها بعقد الإجارة، ويجري بها التعاملُ بين الناس، فلا يجوزُ استئجار الأشجار لتجفيفِ الثياب.
ومنها: أن تكون الأجرة معلومة.
ومنها: أن لا تكونَ الأجرة منفعة، هي جنسُ المعقودِ عليه كإجارة السكنى بالسكنى.
ومنها: خلوُّ الركنِ عن شرطٍ لا يقتضيه العقد ولا يلائمه.
وأما شرائطُ اللزوم:
فمنها: كونً العقدِ صحيحًا.
ومنها: أن لا يكونَ بالمستأجر عيب في وقتِ العقدِ ووقت القبض يخلُّ بالانتفاعِ به، فإن كان لم يلزم العقد.
ومنها: سلامةُ المستأجر عن حدوثِ عيبٍ به يخلّ بالانتفاع به، فإن حدثَ لم يبقَ العقد لازمًا، هذا ما ذكرته لك مجملًا؛ لتكون على بصيرة في الشروع، والتفصيل مذكورٌ في (( فتاوى قاضي خان ) )، و (( الفتاوى الهندية ) ) (4: 410-411) ، وغيرهما من المبسوطات.
وكان القياس أن لا تجوزُ هذا العقد؛ لأنَّ المعقودَ عليه وهو المنفعة توجدُ بعد العقد، وإضافةُ التمليك إلى ما يوجد لا تصحّ إلاَّ أنّه جازَ بالكتابِ والسّنة والاجماع والمعقود.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَج} [القصص: 27] ، وشريعةٌ من قبلنا لازمةٌ ما لم يظهر نسخُها.
وأمّا السنّة: فما رواه الشيخان [البخاري (2: 796) ، ومسلم (3: 1205) ] من حديث ابن عبّاس - رضي الله عنه: (( إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجمَ وأعطى الحجّام أجره ) )، وما أخرجَه ابنُ ماجه (2: 817) من حديث ابنِ عمرَ - رضي الله عنهم - إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أعطوا الأجيرَ أجره قبل أن يجفَّ عرقَه ) )، والظاهرُ أنَّ الأمر بإعطاءِ الأجرِ دليلٌ على صحَّةِ العقد، وما رواه محمَّد - رضي الله عنه - في كتاب (( الآثار ) )من قوله عليه - صلى الله عليه وسلم: (( من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره ) ).
فأمّا المعقول؛ فلأنَّ بالناسِ حاجة إليه ولا مفسدة فيه، فيجوزُ وينعقدُ ساعة فساعة على حسبِ حدوث المنفعة، والمرادُ من انعقادِ العلّة ساعةً فساعة في كلام الفقهاء، وهو حملٌ لعلّة ونفاذها في المحلّ ساعة فساعة لارتباطِ الإيجاب والقبول كلّ ساعة، وإن كان ظاهرُ كلامهم يوهم ذلك فلا يرادُ أنَّ الانعقادَ هو ارتباطُ القبولِ بالإيجاب، فإذا حصلَ الارتباطُ بإقامته الدَّارَ مقام المنفعة يتحقَّقُ الانعقاد، فما معنى الانعقاد ساعة فساعة بعد ذلك، فتأمّل، ومن محاسن الإجارة دفعُ الحاجةِ بقليل من البدل، فإن كلَّ أحد لا يقدرُ على دارٍ يسكنُها وحمام يغتسل فيها، وإبل يحملُ أثقاله الى بلد لم يكن يبلغه إلا بمشقة النفس؛ فلذا أجمعوا على جوازها واتّفقوا على نفاذها.