الصفحة 3790 من 4657

(وهي بيعُ نفعٍ[(1)

(1) قوله: وهي بيع نفع… الخ؛ يعني إنّ الإجارةَ بيعُ منفعةٌ معلومةٌ جنسًا وقدرًا لعوض مالي، أو نفعٌ من غير جنس المعقود عليه معلوم سواء كان ذلك العوض مثليًّا كالمكيل والموزون، والعدديّ المتقارب، أو قيميًا كالثياب والدوابّ وغيرهما، والمرادُ بالبيعِ هاهنا مبادلةُ شيءٍ بشيء، لا مبادلةُ مال بمال، فإنَّ النفعَ لا يسمّى مالًا إلا مجازًا، والنفعُ ما يَوصلُ به الإنسانُ إلى مطلوب، يقال: نفعني الشيء نفعًا فهو نافع. كذا في (( المصباح ) ) (2: 955) ، وقال في (( الصراح ) ): نفع: سود وسود كردن، وهو ضد الضرّ، صلة بالباء منفعة سود مندى. انتهى.

فما قال القُهُسْتَانِيُّ [في (( جامع الرموز ) ) (2: 66) : النفع: المنفعة، وهي عبارة عن اللذة والراحة من دفعِ الحرّ والبرد وغيرهما. انتهى. لا أثر له في كتبِ اللّغة إلاَّ أن يكون من أفراد مفهومه الكليّ، وفي ذكر البيع إشارةٌ إلى أنّه لا بدُّ في الإجارة من الإيجاب والقبول كما في البيع، وينعقد بالتعاطي كالبيع، كما إذا استأجرَ قدورًا بغير عينها، وأنّه لا يجوزُ للتفاوت بينها من حيث الصغر والكبر، إلا أنّه لو جاء بقدورٍ وقبلها على الكراء الأوّل جاز، وهي إجازة مبتدأة. كما صرَّح به في (( الذخيرة ) )وغيرها.

وإنّما اشترط معلوميَّة أجرة المنافع؛ لما تقدّم من الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن ستأجر أجيرًا فليعلمه أجره ) )، فإنّه كما يدلُّ بعبارته على اشتراط معلوميّة الأجرة يدلُّ بإشارته على اشتراطِ كون المنافع معلومة، إذ المعقودُ عليه في الإجارة هو المنافع وهو الأصل، والمعقود به وهو الأجرة: كالبيع والثمن، فإذا كانت معلوميّة البيع شرطًا كان معلوميّة الأصل أولى بذلك؛ ولأنَّ جهالةَ الأجرة والمنافع تفضي إلى المنازعة، كجهالة الثمن والمبيع في عقدِ البيع.

وأوردَ على هذا التعريف أنّه إن كان تعريفًا للإجارةِ الصحيحة لم يكن مانعًا؛ لتناوله الفاسدة بالشرطِ الفاسد، وبالشيوع الأصلي، وإن كان تعريفًا للأعمّ لم يكن تقييدُ النفعِ والعوض بالمعلوميّة صحيحًا.

قلنا: قيّد البدلين بالمعلوميّة لإخراج الإجارة الفاسدة بالجهالة عن التعريف؛ تنبيهًا على أنَّ المعتبر في الشرعِ هي الإجارةُ الغير المفضية إلى النِّزاع.

اعلم أنَّ عقد الإجارة ينعقدُ بإقامة العين مقام المنفعةِ في حقِّ الانعقاد لا في حقِّ الملك؛ لأنَّ العقدَ لا بدَّ له من محلٍّ؛ لأنّه شرطٌ للصحّة لِمَا صرَّحوا من أنّ المحال شروط، ومحلُّ العقدِ هاهنا المنافع، وهي معدومة، والمعدوم لا يصلحُ محلًا، فجعلت الدارُ محلًا بإقامتها مقامَ المنافع؛ ولهذا لو أضاف العقد إلى المنافعِ لا يجوز، بأن قال: أجّرتك منافعَ هذه الدار شهرًا هكذا، وإنّما يصحّ بإضافته إلى العين، صرَّحَ به الزَّيْلَعِيُّ [في (( التبيين ) ) (5: 105) ] ، وابنُ ملكٍ وغيرُهما.

لكن قال قاضي خان في (( فتاواه ) ): ولو قال: أجرت منك منفعة هذه الدّار شهرًا، كذا ذكر في بعض الروايات أنّه لا يجوز، وإنّما تجوزُ الإجارة إذا أضيفت إلى الدار لا إلى المنفعة، وذكر الشيخُ الإمامُ المعروفُ بخُواهر زَادَه: إنّه إذا أضافَ الإجارة إلى المنفعة جاز أيضًا، فإنّه ذكر في (( الكتاب ) ): إنّه لو قال: وهبتُ منك منفعةَ هذه الدَّار شهرًا بدرهم جاز، وإنّما لا يجوز إذا أضافَ البيع إلى منفعةِ الدار؛ لأنَّ الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع. انتهى. وقال صاحب (( البحر ) ): إضافةُ الإجارة إلى منافعِ الدّار جائزة. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت