فهرس الكتاب
الانتفاعِ بوجهٍ آخر، لكن للمستأجر حقُّ الفسخ، (فلو(1) انتفعَ بالمعيب (2) ، أو أزال المؤجِّرُ العيبَ سقطَ خياره [ (3) ] ): أي خيارُ المستأجر.
(وبخيارِ [(4) ] الشَّرط، والرُّؤية، وبالعذر [ (5) ] )، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ[ (6)
(1) في أ: ولو.
(2) في ف: بالعيب.
(3) قوله: سقط خياره؛ لزوال السبب الموجب للردّ قبل الفسخ، والعقدُ يتجدّد ساعةً فساعة، فلم يوجد فيما يأتي بعده فسقطَ خياره.
(4) قوله: وبخيار… الخ؛ عطف على قوله: بعيب: أي وتفسخُ الإجارةُ بخيار الشرط، وخيار الرؤية، وبالعذر لأنّ شرطَ الخيار في الإجارةِ تصحّ عندنا، ويعتبرُ أوّل مدّة الإجارةِ معه من وقت سقوط الخيار.
(5) قوله: وبالعذر؛ فلا تفسخ بدونه إلاَّ إذا وقعت على استهلاكِ عين كالاستكتاب، فلصاحب الورق فسخها بلا ضرر، وأصلُه في المزارعة لربّ البذرِ الفسخ دون العامل. كذا في (( الأشباه ) ).
(6) قوله: وعند الشافعي… الخ؛ أي وقال الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه: لا تفسخ الإجارةُ بخيار الشرط، وكذا بخيار الرؤية بالأعذار، فإنّ شرطَ الخيار لا يصحُّ في الإجارةِ عنده؛ لأنَّ المستأجرَ لا يمكنه ردُّ المعقودِ عليه بكماله إن كان الخيارُ له، إذ لا بُدّ له من تلف شيء من المنفعة في مدّة الخيار، وإن كان للمؤجِّر فلا يمكنه التسليمُ أيضًا على الكمال؛ لأنَّ ما مضى من المنفعة في مدَّةِ الخيار لا يمكن تسليمه، وليس له تفريقُ الصفقةِ قبل التمام؛ لأنّها لا تتمّ مع خيار الشرط بخلاف البيع ؛لأنّه يمكن ردُّ جميعِ المعقود عليه فيه إذ المبيعُ عينٌ تبقى، وشرط الرؤية أيضًا لا يصحُّ عنده في الإجارة؛ لأنَّ استئجارَ ما لم يره لا يجوزُ عنده للجهالة، وبالأعذارِ أيضًا عنده لا تفسخُ الإجارةُ إلاَّ بالعيب؛ لأنَّ المنافعَ عنده بمنْزلةِ الأعيان.
ولنا: في شرطِ الخيارِ أنّ الإجارةَ عقدُ معاوضةٍ لا يستحقُّ القبض فيه في المجلس، ويحتملُ الفسخَ بالإقالة، فيجوزُ فيه اشتراطُ الخيارِ كما في البيع، والجامعُ بينهما دفعُ الحاجة؛ لأنّه لَمَّا كان عقدُ معاوضةٍ ومعاملة يحتاجُ إلى التروي؛ لئلا يقع فيه الغبن، وفوات بعضِ المعقودِ عليه في الإجارة لا يمنعُ الردَّ بخيار العيبِ بالإجماع، فكذا بخيار الشرط بخلافِ البيع، فإنّ فواتَ بعضِ المعقودِ عليه فيه يمنعُ الردَّ بخيار العيب والشرط؛ لما أنّ التكليفَ إنّما شرعَ بحسب الوسع والطاقة، ففي البيعِ ردّ المبيع كما هو ممكن، فاشترطَ فيه عدمُ فواتِ بعضِ المعقودِ عليه للردّ؛ لإمكانه ولم يشترط في الإجارة ذلك؛ لعدم إمكانه، حتى لو اشترى شيئًا ولم يعلم بأنّه معيب ثمّ حدثَ في يد المشتري عيب آخر، لم يجزْ له الرد بالعيب؛ لفوات بعض المعقود عليه بالعيب الحادث. [ينظر: (( كمال الدراية ) ) (ق466) ] .
وفي خيارِ الرؤية: إن الجواز إنّما يمتنعُ للجهالة إذا كانت تفضي إلى المنازعة، وهذه الجهالة لا تفضي إليها؛ لأنّها إذا لم يوافقه يردّه فلا يمتنعُ الجواز، ثمّ إذا رآه ثبتَ له خيار الفسخ؛ لأنَّ العقد لا يتمُّ إلاَّ بالتراضي، وهو لا يتحقّق بدون العلم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن اشترى شيئًا لم يره فله الخيار إذا رآه ) ) [ (( مصنّف ابن أبي شيبة ) ) (4: 268) ، و (( سنن الدَّارَقُطْنِيّ ) ) (3: 4) ، (( سنن البيهقي البَيْهَقِيّ ) ) (5: 268) ] ، والإجارةُ شراءُ المنافع، فيتناوله ظاهرُ الحديث لفظًا أو دلالة، وفي الأعذار إنّ المنافعَ غيرُ مقبوضة، وهي المعقودُ عليها، فصار العذرُ في الإجارةِ كالعيب قبل القبض في البيع، فتفسخُ به، إذ المجوِّز للفسخ يجمعها، وهو عجزُ العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحقّ بالعقد، وهذا هو معنى العذر عندنا، كذا في المبسوطات. [ينظر: (( التبيين ) ) (5: 147) ، و (( البناية ) ) (7: 1021) ] .
ومذهبُ شريح - رضي الله عنه - أنّ الإجارةَ غيرُ لازمة، ولكلّ منهما فسخها؛ لأنّها أجيزت للضرورة كالعارية، ولا حاجة إلى إثباتِ صفة اللزوم، فينفردُ كلُّ واحدٍ منهما بالفسخ من غير عذر، كالعارية.
والجواب: إنّ الإجارةَ لَمَّا كانت عقدَ معاوضةٍ فلزمت من الجانبين كالبيع، وكونها أجيزت للحاجة لا يدلُّ على عدم لزومه، ألا ترى أنّ السلم أجيزَ للحاجة، ويلزم إذا وقع بخلاف العارية، فإنّها عقد تبرّع فلا يلزم.
واعلم أنّه إذا تحقَّق العذرُ فاختلفوا في أنّ العقدَ هل ينفسخُ أو يحتاجُ إلى الفسخ، فقيل: ينفسخ، وعامّة المشايخ على أنّه يحتاج إلى الفسخ، وهو المختار، وفي وقت الاحتياج إلى الفسخ هل يحتاجُ فيه إلى قضاء القاضي أو رضاءِ الآجر أم لا، فالأوّل في (( الزيادات ) )، والثاني في (( الجامع الصغير ) )، وقيل في وجه التوفيق: إن ما ذكرَ في (( الزيادات ) )محمولٌ على ما إذا لم يكن العذرُ ظاهرًا كالدّين، فيكون الاحتياج فيه ليظهرَ العذر، وما ذكر في (( الجامع الصغير ) )محمولٌ على ما إذا كان العذر ظاهرًا فلا حاجة فيه إلى القضاء، وقيل: في المسألة روايتان، وقيل: التوقّف بين روايتي الفسخ والانفساخ أولى، فإن الإجارةَ لو كانت لغرض فلم يبقَ ذلك، كما إذا استأجر دابّةً لطلبِ عبد آبقٍ ثمَّ عاد العبد من الإباق ينفسخ الإجارة، وإن لم يكن كذلك فيحتاج إلى الفسخ. كذا في شروح (( النقاية ) )، وغيرها.