(ومَن أحرقَ حصائدَ(1) [ (2) ] أرضٍ مستأجرةٍ أو مستعارة، فاحترقَ شيءٌ في أرض (3) جاره (4) لم يضمن [ (5) ] )، قيل هذا [ (6) ] إذا كانت الرِّياحُ هادئة، أمَّا إذا كانت مضطربةً يضمن [ (7) ] (8) .
(فإن أقعدَ خيَّاطٌ أو صبَّاغٌ في دكَّانِهِ من يطرحُ عليه العملَ بالنِّصفِ صحّ[(9)
(1) المراد بالحصائد هاهنا: ما يبقى من أصول لقصب المحصود في الأرض، وسبب عدم الضمان أنه تسبب وليس بمباشرة، فلا يكون متعدّ كحافر البئر في ملكه. ينظر: (( الدرر ) ) (2: 240) .
(2) قوله: حصائد؛ جمع حصيدة بمعنى محصودة، والمرادُ بها ما يبقى في الأرضِ من أصول القصب المحصود أو ما يحصدُ من الزرع والنبت.
(3) في أ: الأرض.
(4) في أ و ق: غيره.
(5) قوله: لم يضمن؛ لأنَّ هذا تسبيب، وشرطُ الضمان التعدِّي، ولم يوجد، فصار كحفر بئر في ملكِ نفسه، فتلفَ به إنسان، بخلاف ما إذا رمى سهمًا في ملكه فأصابَ إنسانًا حيث يضمن؛ لأنّه مباشر، فلا يشترطُ فيه التعدّي.
(6) قوله: هذا؛ أي عدمُ وجوب الضمانِ بإحراقِ الحصائد، إذا احترقَ شيءٌ من أرضِ غيره.
(7) قوله: فيضمن؛ لأنَّ موقدَ النار في يوم الريح يعلم أنّها لا تستقرُ في أرضه، وذكرَ في (( النهاية ) )معزيًا إلى التُّمُرْتَاشِيّ: إنّه لو وضعَ جمرةً في الطريق فأحرقت شيئًا ضَمِن؛ لأنّه متعدٍّ بالوضع، ولو رفعته الريحُ إلى شيءٍ فأحرقته لا يضمن؛ لأنَّ الريحَ نسخت فعلَه. انتهى.
(8) في أ: فيضمن.
(9) قوله: صحّ؛ أي استحسانًا، والقياسُ أن لا يصحّ، والعلاَّمةُ المحقِّقُ الطحاوي أخذَ في هذه المسألةِ بالقياس، وقال: القياسُ عندي أولى من الاستحسان، وجهُ القياس: إنّه استئجارٌ بنصفِ ما يخرجُ من عمله، وهو مجهول، كقفيزِ الطَّحان. [ينظر: (( حاشية الطحطاوي ) ) (4: 48) ] .
ووجه الاستحسانِ أنّ هذه شركةِ الصنائع، وليست بإجارة؛ لأنَّ تفسيرَ شركةِ الصنائع أن يكون العملُ عليهما، وإن كان أحدُهما يتولَّى العملَ بحذاقته، والآخرُ يتولّى القبول بوجاهته، وإذا وجدنا له سبيلًا إلى الجواز وهو متعارف، وجبَ القول بصحّته، فيكون العمل واجبًا عليهما، والقبولُ جائزٌ لهما، إذ ليس في كلامِهما إلا تخصيص أحدِهما بالتقبُّل، والآخر بالعمل، وتخصيصُ الشيءِ بالذكر لا يدلُّ على نفي ما وراه، فأمكننا إثباتُ الشركةِ في التقبّل، والعملُ اقتضاء، وحاصله: إنّه لا يضرُّهُ الجهالةُ فيما يحصل، وتنتظم بذلك المصلحة، فتدبَّر.