فهرس الكتاب
ابنٌ، فالظَّاهرُ أنَّ يؤنسَ منهُ رشدٌ ما (1) في سنِّ خمسٍ وعشرين، فيدفعُ [فيه] (2) إليه أموالَهُ وقبلَ هذا السِّنِّ إن تصرَّفَ في مالِهِ بيعًا أو شراءً أو نحوهما يصحُّ تصرفُهُ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -. وقالا: لا يصحّ؛ لأنَّهُ لو صحَّ لم يكنْ منعُ المالِ عنه مفيدًا [ (3) ] .
قلنا: بل يفيدُ؛ لأنَّ غالبَ تبذيرِ السُّفهاءِ بالهبة، فمنعُ المالِ يمنعُ الهبة [ (4) ] ، ثمَّ بعد خمسٍ وعشرينَ سنةٍ يسلَّمُ إليهِ مالُهُ وإن لم يؤنسُ منهُ رشدٌ عندَ أبي حنيفة - رضي الله عنه -[ (5)
(1) سقطت من أ.
(2) زيادة من ف.
(3) قوله: لم يكن منعُ المالِ عنه مفيدًا؛ لأنّه يتلفُ بلسانه ما منعَ من يده. كذا في (( حاشية الجلبي ) ) (ص545) .
(4) قوله: يمنعُ الهبة؛ لأنّها موقوفةٌ على التسليم، والقبضُ هو موقوف على اليد، فإذا لم يكن في يده شيءٌ يمنع عن ذلك، وإن فعل لم ينفذ.
(5) قوله: عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ فإنّ هذا السنّ… الخ، ولأنّ المنعَ باعتبارِ أثر الصبا، وهو في أوائل البلوغ، وبقاءُ أثرِه كبقاءُ عينه، فإذا امتدّ الزمان، وظهرت الخبرةُ والتجربةُ لم يبقَ أثرُ الصبا، وحدث ضربٌ من الرشدِ لا محالة؛ لأنّه حالَ كمال لبِّه؛ ولهذا قال أبو حنيفةَ - رضي الله عنه: لو بلغَ رشيدًا ثمّ صارَ سفيهًا لا يمنعُ المال عنه؛ لأنّه ليس بأثرِ الصبا، وقالا: لا يدفعُ إليه أبدًا حتى يحسَّ الرشد، ولا يجوزُ تصرُّفه فيه؛ لأنّ علّة المنع السفه، فيبقى ما بقي العلّة، فصار كالصبيّ، فلّما كان كذلك عندهما لا ينفذُ بيعه إذا باع؛ توفيرًا لفائدة الحجر، وإن كان فيه مصلحةٌ أجازه الحاكم؛ لأنّ ركنَ التصرُّفِ وهو الإيجابُ والقبولُ قد وجد، والتوقّفُ للنظرِ له، وقد نصبَ الحاكمُ ناظرًا له، فيتحرَّى المصلحة فيه، كما في الصبيّ الذي يعقل البيع ويقصده.
ولو باعَ قبل حجرِ القاضي جاز عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه -؛ لأنّه لا بدَّ من حجرِ القاضي عنده؛ لأنّ الحجرَ دائرٌ بين الضررِ والنظر، والحجرُ لنظره فلا بُدَّ من فعل القاضي، وعند محمّد - رضي الله عنه - لا يجوز؛ لأنّه يبلغُ محجورًا عنده، إذ العلَّةُ هي السفه بمنْزلةِ الصبا، وعلى هذا الخلافِ إذا بلغَ رشيدًا ثم صارَ سفيهًا، فعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - لا يصيرُ محجورًا حتى يقضيَ القاضي، وعند محمّد - رضي الله عنه - يصيرُ محجورًا للسفه. هذا ما يستفاد من (( الهداية ) ) (3: 282) .