فهرس الكتاب
(1) قوله: حرّم ذبيحةً لم تذكّ… الخ؛ لما وردَ على ظاهرِ العبارة الكليّة: إنّ السمكَ والجرادَ ليسا بذكيين، مع أنّهما حلالان، أجاب الشارحُ عن ذلك بأنّ المرادَ بالذبيحةِ حيوانٌ من شأنه الذبح، فخرجَ السمكُ والجراد إذ ليس شأنهما الذبح، فعلى هذا يتناولُ العبارةُ حرمةَ ما ليس بمذبوحٍ: كالمترديّة والنطيحة، وكذا يتناولُ حرمة العضوِ المقطوعِ من الحيّ، فالحاصلُ بالذبيحةِ معناه المجازيّ لا الحقيقيّ.
إذا عرفت هذا فاعلمْ أنّ عبارةَ الشرح لا تخلو عن الخدشة والقلق، حيث لم يستعملْ ما خفى على أذهانِ الطالبين من مقصودِ العبارة بسرعة، وبيان ذلك وجوه:
الأوّل: إنّ المقصودَ بيانُ حرمةِ مذبوح لم تذكَّ شرعًا، ولا شكّ أنّ مثلَ السمك والجرادِ لا يذبح، فهما قد خرجا بقيدِ الذبيحة، فلا حاجةِ إلى إرادةِ المعنى المجازيّ، فينبغي أن يرادَ بالذبيحة معناه الحقيقيّ.
ويمكن أن يجاب عنه: بأنّ مقصودَ الشارح - رضي الله عنه: إخراجُ السمكِ المذبوح بالسمك ونحوه، فإنّ القاعدةَ الكليّة صادقةٌ عليه مع أنّه حلال، وكذا الحالُ في الجراد، وإن لم يأمرْ الشرعُ بذبحهما.
والثاني: لمّا كان خروجُ السمكِ والجراد، ودخولُ حرمةِ المتردّية والنطيحة متفرّعين على قوله الشأن، ينبغي أن يبدلَ قوله: إنّما حملناه، بقوله: وليشمل أو يتناول حرمةَ ما ليس بمذبوح.
الثالث: إنّه يردّ على قوله: من شأنه الذبح، فإنّ المرادَ: بالشأن؛ أمّا معناه بحسب اللُّغةِ أو بحسبِ الشرع، فإن أريدَ ذلك بحسبِ اللُّغة، فهذا صادقٌ على كلِّ ذي روح حتى النملة؛ لأنّه يمكن بالقوَّةِ أن تذبح بالسكين، وإن لم يوجد الذبحُ فيها بالفعل، وإن أريدَ ذلك بحسب الشرع، بمعنى أنّ الشرعَ قد حكمَ بإخراجِ الدمِ المسفوح من الحيوان، فسلّمنا أنّ مثل السمك والجراد والنملة وغير ذلك قد خرجَ بقيد؛ الشأن؛ على زعمكم، لكن تنتقض تلك العبارة بوجهين:
أمّا أوّلًا؛ فلأنّ المتردّيةَ والنطيحةَ غيرُ صادق عليهما ذلك الشأن بعد الموت، وذلك ظاهر، وأمّا قبل الموت فاسمها الحيوان لا المتردّية والنطيحة، وبيانه: إنّهما قبل الموت مختصّان باسمِ الحيوان، وبعده باسم المتردّية والنطيحة، وليس شأنُهما أن تذبحا في هذه الحالة، فلا تتناول العبارةُ حرمتُهما.
وأمّا ثانيًا؛ فلأنّ تلك العبارة على هذا التقدير تشملُ حلِّ الأسد والكلب المذبوحينِ بالتسمية، وبيان ذلك: إنّ المفهومَ المخالفُ معتبرٌ في الروايات، فيكون معنى العبارة: هكذا يحلّ حيوانٌ من شأنه الذبحُ شرعًا إذا كان مذبوحًا بالتسمية، فالكلبُ والأسد مثلًا إذا ذبحا بذكر اسم الله عليهما ينبغي أن يكونا حلالان؛ لأنّهما من شأنهما الذبحُ بحسب الشرع؛ لأنّ الذبحَ بالتسمية قد أوجب الطهارةَ فيهما في الشرع، وإن لم يؤكل.
فالحاصل إنّ الحرمةَ مختصّةٌ بعدم ذكية، فما من شأنه الذبح شرعًا يكون حلالًا بالتسمية، بناءً على اعتبار المفهوم المخالف مع أنَّ الكلبَ والأسد حرامان اتّفاقًا، وقال بعض الشارحين للـ (( مختصر ) ): المرادُ بالذبحية: مأكولُ اللحمِ بالذبح، فخرجُ سباع البهائم والطيور، وكذا أنواعُ السمكِ والجراد، وكذا الكلب والأسد المذكورين، ويمكن أن يقال: تخصيصُ الذبح بالأكل شرعًا ممنوع؛ لأنّ الشرعَ كما أمر بذبحِ المأكولات للأكل كذلك أمرَ بذبحِ غير المأكولات للطهارة، فالفرقُ بينهما تحكُّم، فليتأمّل فإنّ ذلك دقيق لكتابه غفر له الله العزيز.