الصفحة 4390 من 4657

(فيقتلُ الحرُّ بالحرِّ وبالعبد) ، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (1) - رضي الله عنه - لا يقتلُ الحرُّ بالعبد؛ لقولهِ تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْد} (2) [ (3) ] ، ولنا[ (4)

(1) ينظر: (( النكت ) ) (3: 329) ، و

(2) البقرة، الآية (178) .

(3) قوله: لقوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْد...} الخ [البقرة: 178] ، فهذا يقتضي مقابلة الجنس بالجنس، ومن ضرورة المقابلة أن لا يقتلَ الحرّ بالعبد؛ ولأنَّ القصاصَ يقتضي المساواة، ولا مساواة بينهما إذ الحرّ مالك والعبد مملوك، والمالكيّة إمارة القدرة، المملوكية إمارةُ العجز.

(4) قوله: ولنا... الخ؛ تفصيله: ولنا: العمومات، نحو قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45] ، وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( العمد قود ) )، ولا يعارض بما تلى؛ لأنّ فيه مقابلةٌ مقيَّدة، وفيما تلونا مقابلةٌ مطلقًا، فلا يحمل على المقيّد على أنّ مقابلةَ الحرّ بالحرّ لا تنافي الحرّ بالعبد؛ لأنّه ليس فيه إلا ذكرٌ لبعض ما شمله العموم، على موافقة حكمه، وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي.

ألا ترى أنّه قابل الأنثى بالأنثى دليلٌ على جريان القصاص بين الحرّة والأمة، وفائدةُ هذه المقابلة في الآية على ما قال ابن عبّاس - رضي الله عنه: كانت بين النضير وبني قريظة مقابلة، وكانوا بنو قريظة أقلّ منهم عددًا، وكان بنو النضير أشرف عندهم، فتراضوا على أنّ العبدَ من بني النضيرِ بمقابلةِ الحرِّ من بني قريظة، والأنثى منهم بمقابلة الذكر من بني قريظة، فأنزلَ الله تعالى الآية ردًّا عليهم، وبيانًا على أنّ الجنسَ يقتلُ بجنسِه على اختلافِ مواضعتهم من القبيلتين جميعًا، فكانت اللام لتعريفِ العهد، لا لتعريف الجنس.

ولأنّها مستويان في العصمة، إذ هي بالدين عنده، وبالدار عندنا، وهي المعتبرة، فيجري القصاص منهما حسمًا لمادَّة الفساد، وتحقيقًا لمعنى الزجر، ولو اعتبرت المساواةُ في غير العصمة في النفس لما جرى القصاص بين الذكر والأنثى، والقصاص يجبُ باعتبارِ أنّه آدميٌّ، ولم يدخل في الملك من هذا الوجه، بل هو مبقى على أصل الحريّة من هذا الوجه؛ ولهذا يقتلُ العبدُ بالعبد، وكذا يقتلُ العبدُ بالحرّ، ولو كان مالًا لَما قتل، وكذلك عجزه وموته وبقاءُ أثر كفره حكميّ، فلا يؤثّر ذلك في سقوطِ العصمة، ولا يورث شبهة، ولو أورثَ شبهةً لَمَا جرى القصاصَ بين العبيدِ بعضهم ببعض، ووجوب القصاص في الأطرافِ يعتمدُ المساواة في الجزءِ المبانِ بعد المساواة في العصمة، ولهذا لا تقطعُ الصحيحة بالشلاء، وفي النفس لا يشترط ذلك حتى يقتلَ الصحيحَ بالزَّمِن والمفلوج، ولا مساواة بين أطرافِ الحرّ والعبدِ إلا في العصمة، لِمَّا أنّ العبدَ من حيث النفس آدميّ مكلَّفٌ خلقَ معصومًا. [ينظر: (( التبيين ) ) (6: 103) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت