فهرس الكتاب
(فإن شَهِدَ وليَّا قَوَدٍ[(1)
(1) قوله: فإن شهدَ وليّا قَوَد... الخ؛ صورةُ المسألة: رجلٌ قتل رجلًا، وللقتيل ثلاثة بنين، فشهدَ اثنان منه على أنّ ثالثَهم عفا عن القتيل، فشهادتُهما باطلةٌ، وتكون هذه الشهادةُ عفوًا منهما؛ لأنّهما يجرَّان بشهادتهما إلى أنفسهما مغنمًا ومالًا ونفعًا، وهو انقلابُ القودِ مالًا فيكون الشهادةُ باطلة، وأمّا تعليل قوله: وهي عفو؛ فلأنّهما زعما أنّ القودَ قد سقطَ، وزعمهما في حقّهما معتبر؛ فإن صدَّقَ القاتلُ الشاهدين فالدِيَة بينهما ثلاثًا، معناه إذا صدَّقهما وحدَه؛ لأنّه إذا صدّقهما، فقد أقرّ بثلثي الدِيَةِ لهما، فصحَّ إقرارُه، إلا أنّ القاتلَ يدّعي سقوطَ حقِّ المشهود عليه، والحالُ أنّ المشهودَ عليه ينكر، فلا يصدَّقُ دعوى القاتل، ويغرم نصيب المشهود عليه.
وإن كذَّبهما المشهودُ عليه فلا شيءَ لهما، وللآخرِ ثلث معناه إذا كذَّبهما القاتل أيضًا، وهذا لأنّهما أقرّا على أنفسهما بسقوط القصاص فقبل إقرارهما، وادّعيا انقلابَ نصيبهما مالًا، فلا يقبل إلا بالحجّة، وينقلبُ نصيبُ المشهود عليه إلا أنّ دعواهما العفو على المشهودِ عليه، وهو ينكر بمنْزلةِ ابتداء العفو منهما، كأنّهما قالا: عفونا في حقّ المشهودِ عليه؛ لأنَّ سقوطَ القَوَد مضافٌ إليهما، وإن صدَّقَهما المشهودُ عليه وحدَه دون القاتل غرمَ القاتلُ ثلثَ الدِيَةَ للمشهودِ عليه؛ لإقرارِ القاتل له بذلك.
وإنّما قلنا معناه إذا كذَّبَهما القاتل أيضًا؛ لأنّه إذا صدَّقَهما القاتلُ عنه تكذيب المشهود عليه يجب على القاتلِ ديةٌ كاملةٌ بينهم أثلاثًا؛ وذلك لأنّهما بالشهادة أقرّا بسقوط القصاص، وانقلابُ نصيبهما مالًا، وقد أقرَّ القاتلُ بذلك على تقديرِ تصديق القاتل فلزمه ثلثُ الدِيَة لهما، وثلثُ الدِيَةِ للمشهودِ عليه؛ لأنّه ما أقر بسقوطِ القصاص، وإنّما سقطَ القصاص بإقرارِ غيره، والحاصل أنّ الوجوهَ منقسمة على أربعةِ أقسام على القسمة العقليّة، وذلك إمّا يصدِّقَهما المشهود عليه والقاتل جميعًا، أو يكذِّبَهما المشهودُ عليه ويصدّقهما القاتل، أو على العكس، وهاهنا بحثٌ مذكور في الشرح فلا حاجةَ إلى البيان.