الصفحة 4447 من 4657

(والعبرةُ لحالةِ الرَّمي لا للوصولِ فتجبُ(1) الدِّيَةُ على مَن رمى مسلمًا فارتدَّ فوصل (2) )، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما: لا يجبُ شيءٌ إذ بالارتدادِ سقطَ تقوُّمُهُ (3) فصارَ مبرَّئًا للرَّامي (4) عن موجبِه، كما إذا أبرأهُ بعدَ الجرحِ قبلَ الموت، له: إنَّ المرميَّ (5) إليه [ (6) ] حالةَ الرَّمي متقوَّم، (والقيمةُ لسيِّدِ عبدٍ رُمِيَ إليه فأعتقَهُ فوصل) ، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - وأبي يوسفَ - رضي الله عنه -، وقال محمَّدٌ - رضي الله عنه: فضلُ ما بينَ قيمتِهِ مرميًَّا[ (7)

(1) في أ و جو م: فيجب.

(2) في ب: فوصله.

(3) في ص: يقومه.

(4) فيس ص: الرامي.

(5) في ص: الرمى.

(6) قوله: إنّ المرمي إليه... الخ؛ يعني إنّ الضمانَ يجبُ بفعله، وهو الرمي، إذ لا فعل منه بعده، فيعتبرُ حالة الرمي، والمرمي إليه حالةِ الرمي متقوّم.

فإن قيل: إن كان ما ذكرتم بجميعِ مقدّماته صحيحًا، والفعلُ كان عمدًا فينبغي أن يكون القصاص واجبًا.

قلنا: الفعلُ وإن كان عمدًا فالقودُ يسقطُ بالشبهةِ الناشئة من اعتبارِ حالة الإصابة. كذا في (( الجلبي ) ) (ص607) ناقلًا عن (( العناية ) ) (10: 268) .

(7) قوله: فضل ما بين قيمته مرميًّا... الخ؛ يعني لو كان قيمتُه قبل الرمي ألفَ درهم، وبعده ثمانٍ مئة، يلزمه مئتا درهم، ودليل محمّد - رضي الله عنه: إنّ العتقَ قاطع للسِّراية؛ لاشتباه مَن له الحقّ؛ لأنّ المستحقَّ حالَ ابتداءِ الجناية المولى، وحال الإصابةِ العبد؛ لحريّته، فصار العتقُ بمنْزلةِ البرء، كما إذا قطعَ يدَ عبد أو جرحَه ثمّ أعتقَه المولى ثمّ سرى، فإن العتقَ لقطع السِّراية حتى لا يجبَ بعد العتقِ شيءٌ من الدِيَة والقيمة، وإنّما يضمن النقصان.

ولهما: إنّ الرامي يصيرُ قاتلًا من وقت الرمي؛ لأنّ فعلَه الرمي، والعبدُ مملوكٌ في حالةِ الرمي، فيجبُ قيمتُه؛ لأنّ الفعلَ انعقدَ من الابتداء موجبًا للقيمة، فلا يتغيَّر باعتراضِ الحريّة، بخلافِ القطعِ والجرح؛ لأنّه إتلافُ بعضِ المحلّ، وأنّه يوجبُ، وأنّه موجبُ الضمان للمولى؛ لأنّه وردَ على محلٍّ مملوك، وبعد السراية لو وجبَ شيءٌ يوجب للعبد، فتصير النهايةُ مخالفةً للبداية، أمّا الرمي قبل الإصابةِ ليس بإتلافِ شيء؛ لأنّه لا أثرَ للرمي في المحلّ، وإنّما قلَّتْ الرغباتُ في العبد، فلا يجبُ به ضمان، فلا تتخالفُ النهاية والبداية، فيجب قيمتُه للمولى.

قال في (( العناية ) ) (10: 268-269) : إن قولنا: إنّ الرامي يصيرُ قاتلًا من وقت الرمي ظاهر على مذهب الأعظم - رضي الله عنه -، فإنّه يعتبرُ وقت الرمي، وأمّا أبو يوسفَ - رضي الله عنه - فيحتاجُ إلى الفرقِ بين هذه وبين ما إذا رمى مسلمًا فارتدّ والعياذ بالله قبل الإصابة، حيث اعتبرَ هناكَ حالةَ الإصابة، وهاهنا حالةَ الرمي، وهو أنّ المرمي إليه خرجَ بالارتدادِ عن أن يكون معصومًا، والزمانُ يعتمدُ صفةَ العصمة، فلا يجب الضمان بالمنافي.

وأمّا الإعتاقُ فإنّه لا ينافي العصمة، فيجب عليه قيمتُه للمولى، ومن هذا يعلم أنّ أبا يوسفَ - رضي الله عنه - يعتبرُ وقتَ الرمي إلا في صورة الارتداد، وقال أخي جلبي - رضي الله عنه - في المنهية ناقلًا عن (( البيانيّة ) ): قد ذكر الفقيه أبو الليث - رضي الله عنه - قول أبى يوسفَ - رضي الله عنه - مع محمّد - رضي الله عنه - في مسألة الإعتاق بعد الرمي، وفخر الإسلام - رضي الله عنه - مع أبى حنيفةَ - رضي الله عنه -. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت