وحتى أنصار النظرية أنفسهم ومؤيدوها لم يقبلوها لأنها نظرية علمية، بل لأن عدم الإيمان بها يقود إلى خيار آخر لا يرتضونه ألا وهو القول بأن الله سبحانه هو الذي خلق الخلق. ويقول أحد هؤلاء: إن العلماء لم يقبلوا نظرية التطور لأنها صحيحة في ذاتها، أو لأنه يمكن البرهان على صحتها بطرق صحيحة، سليمة، ومنطقية وعلمية، وإنما قبلوها لأنهم لم يجدوا أمامهم إلا الخيار الآخر، وهو فكرة الخلق المباشر بمشيئة الله، الذي يفرون منه لأنهم يضمرون في أنفسهم الإلحاد أو يعلنونه. وإلى نفس هذا الزعم يذهب السير آرثر كيث في قوله: إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا مالا يمكن حتى التفكير فيه.
نظرية التطور والدين
الواقع أن الإلحاد الذي ارتبط بالنظرية يرجع إلى القول بالمصادفة واستبعاد الغاية والقصد في عملية الخلق، وتفسير التطور تفسيرًا ماديًا آليًا، والمسلَّم به أن الله أبدع هذا الكون وما فيه بقدرته، وسن قوانينه الطبيعية ومنها التطور في الخلق، والارتباط بين الكائنات. ولكن الماديين ـ كما سبقت الإشارة ـ اتخذوا من النظرية سندًا لمذهبهم المادي القائم على التفسير المادي للحياة، و على استبعاد التفكير في أي قوة خارج حدود المادة لها قدرة الخلق والإيجاد.
كما أن أتباع النظرية من الماديين ركزوا على نتائج النظرية المتصلة بالإنسان من أنه حيوان ينتمي إلى فصيلة القرد وأنه لا يتميز عنه إلا برقي نسبي، ومن ثم عليه أن يراعي الجوانب الحيوانية فيه ويصارع من أجل بقائه وأن دوره لا يتعدى هذا. ووفقا لهذا التصور أنكر التطوريون تميز الإنسان برسالة معينة متمثلة في معرفة الله تعالى وعبادته وطاعته، وأنه كائن مكلف، لأنهم في الأساس أنكروا أنه إنسان وأنكروا أن يكون وراء الخلق قصدٌ أو غاية من إله خالق حكيم.