قدَّم القالي لأماليه بعد حمد الله والصلاة على نبيه محمد ³، فقال:"فإني لما رأيت العلم أنفس بضاعة، أيقنت أن طلبه أفضل تجارة، فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية، ثم أعملت نفسي في جمعه، وشغلت ذهني بحفظه، حتى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه، وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه، ووعيت واضحه، ثم صنته بالكتمان عمن لا يعرف مقداره، ونزّهته عن الإذاعة عند من يجهل مكانه، وجعلت غرضي أن أودعه من يستحقه، وأبديه لمن يعلم فضله، وأجلبه إلى من يعرف محله، وأنشره عند من يشرفه، وأقصد به من يعظمه، فأمليت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة (يعني أيام الخميس) بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنونًا من الأخبار وضروبًا من الأشعار، وأنواعًا من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أني لم أذكر فيه بابًا من اللغة إلا أشبعته، ولا ضربًا من الشعر إلا اخترته، ولا فنًا من الخبر إلا انتخلته، ولا نوعًا من المعاني والمثل إلا استجدته، ثم لم أُخْلِه من غريب القرآن، وحديث الرسول ³، على أنني أوردت فيه من الإبدال مالم يورده أحد، وفسّرت فيه من الإتباع مالم يفسره بشر".
وكان أبو علي القالي قد أهدى كتابه إلى عبدالرحمن ابن محمد الحكم والي المسلمين بقرطبة، مصحوبًا بثناء عاطر على كرمه وعدله وفضله وحبه للعلم والعلماء.