فهرس الكتاب
الثاني: ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة له، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] .
الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} .
الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب، واستنزال روحانيتها بزعمهم.
واختلف في السحر، فقيل: هو تخيل فقط، ولا حقيقة له.
قال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء.
قال الحافظ: وفي هذه الآية: بيان أصل السحر الذي يعمل به اليهود، ثم هو مما وضعته الشياطين على سليمان بن داود عليه السلام، ومما أنزل على هاروت وماروت بأرض بابل. وقد استُدِلَّ بهذه الآية على أنَّ السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه، وهو التعبُّد للشياطين أو الكواكب.
وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة، فلا يكفر به من تعلمه أصلًا.
قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، فهو كفر وإلا فلا. وأما تعلمه وتعليمه، فحرام. فإن كان فيه ما يقتضي الكفر، كفر واستتيب منه، وإلا يقتل، فإن تاب، قُبلت توبته. وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر، عُزِّر.
وعن مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق.
قال عياض: وبقول مالك قال أحمد، وجماعة من الصحابة والتابعين.
قال الحافظ: وفي إيراد المصنف - أي البخاري - هذه الآيةَ إشارةٌ إلى - [1012] - اختيار الحكم بكفر الساحر، لقوله فيها: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء، إلا وذلك الشيء كفر.
وكذا قوله في الآية على لسان الملكين: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} ، فإن فيه إشارة إلى أنَّ تعلُّم السحر كفر، فيكون العمل به كفرًا. وهذا كله واضح على ما قرَّرته من العمل ببعض أنواعه. انتهى ملخصًا.