موقف القرآن الكريم من اليهود والنصارى
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
(( حقوق الطبع متاحة لجميع الهيئات العلمية والخيرية ) )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، ونصب لنا الدلالة على صحته برهانا مبينا، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقا يقينا، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجرا جسيما،وذخر لمن وافاه به ثوابا جزيلا وفوزا عظيما، وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائه وأركانه، والاعتصام بعراه وأسبابه، فهو دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه، فبه اهتدى المهتدون وإليه دعا الأنبياء والمرسلون. ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83) [آل عمران/83] ).
فلا يقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85) [آل عمران/85] )
شهد بأنه دينه قبل شهادة الأنام، وأشاد به ورفع ذكره وسمى به أهله وما اشتملت عليه الأرحام، فقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) [آل عمران/18، 19] ).
وجعل أهله هم الشهداء على الناس يوم يقوم الأشهاد، لما فضلهم به من الإصابة في القول والعمل والهدي والنية والاعتقاد، إذ كانوا أحق بذلك وأهله في سابق التقدير، فقال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (78) سورة الحج
وحكم سبحانه بأنه أحسن الأديان، ولا أحسن من حكمه ولا أصدق منه قيلا فقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا(125) [النساء/125] .
وكيف لا يميز من له أدى عقل يرجع إليه بين دين قام أساسه وارتفع بناؤه على عبادة الرحمن، والعمل بما يحبه ويرضاه مع الإخلاص في السِّرِّ والإعلان، ومعاملة خلقه بما أمر به من العدل والإحسان، مع إيثار طاعته على طاعة الشيطان، وبين دين أسس بنيانه على عبادة الصلبان والصور المدهونة في السقوف والحيطان، وأن رب العالمين نزل عن كرسي عظمته فالتحم ببطن أنثى وأقام هناك مدة من الزمان، بين دم الطمث في ظلمات الأحشاء تحت ملتقى الأعكان، ثم خرج صبيا رضيعا يشبُّ شيئا فشيئا ، ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويتقلب مع الصبيان، ثم أودع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلم ما ينبغي للإنسان، هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان، ثم جعل اليهود يطردونه ويشردونه من مكان إلى مكان، ثم قبضوا عليه وأحلوه أصناف الذل والهوان، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجا من أقبح التيجان، وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان، ثم ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعا في وجهه وهم خلفه وأمامه وعن شمائله وعن الإيمان، ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعر منه القلوب مع الأبدان ، ثم شدت بالحبال يداه ومع الرجلان، ثم خالطهما تلك المسامير التي تكسر العظام وتمزق اللحمان وهو يستغيث: يا قوم أرحموني فلا يرحمه منهم إنسان.
هذا وهو مدير العالم العلوي والسفلي الذي يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن، ثم مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوان، ثم قام من القبر وصعد إلى عرشه، وملكه بعد أن كان ما كان؛ فما ظنك بفروع هذا أصلها الذي قام عليه البنيان؟!!!. [1]
أو دين الأمة الغضبية الذين انسخلوا من رضوان الله كانسلاخ الحية من قشرها، وباءوا بالغضب والخزي والهوان، وفارقوا أحكام التوراة ونبذوها وراء ظهورهم واشتروا بها القليل من الأثمان، فترحل عنهم التوفيق وقارنهم الخذلان واستبدلوا بولاية الله وملائكته ورسله وأوليائه ولاية الشيطان.
أما بعد:
فمنذ أن جاء الإسلام برسالته الخاتمة ، قد حاربه أهل الكتاب حربًا لا هوادة فيها ، وعلى كافة الأصعدة ، وهو ظاهر جليٌّ اليوم على أوجه .
وسيبقى هذا الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها .
هذا وقد تباينت كتابات علماء المسلمين اليوم حول موقف الإسلام من أهل الكتاب تباينًا عجيبًا:
فمن قائل نحن عرب قبل أن نكون مسلمين !
ومن قائل الدين لله والوطن للجميع
ومن قائل: لا فرق بينا وببين أهل الكتاب !
ومن قائل: الدِّينُ فرَّقنا ،فعلينا بالأخذ بقوانين الغرب وديمقراطيته لتجمع بيننا !
ومنهم من حرف أحكام أهل الذمة تحريفًا خرق به قطعي الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة !
ومنهم من قال: إن أحكام أهل الذمة هي من السياسة الشرعية ، التي يجوز للحاكم العمل بها، أو تركها حسب المصلحة !!
ومنهم من قال عن أهل الكتاب: )) لهم ما لنا وعليهم ما علينا )) بهذا الإطلاق دون تقييد !!
ومنهم من يقول: نحن اليوم لا نستطيع تطبيق الإسلام ، لأنه يوجد غير مسلمين في بلادنا لا يقبلون به!
ومنهم من حاول التوفيق بين أحكام أهل الذمة وبين القوانين الدولية التي وضعها الكفار والفجار لقهر الشعوب المستضعفة ، فحاول ليَّ النصوص على أعناقها ، وتحريف الكلم عن مواضعه ، والأخذ بالآراء الشاذة والمنحرفة حتى يرضى عنه أعداء الإسلام !! .
ومنهم من صدع بالحق فهنيئًا.
ومازالت الكتابات النافعة في هذا الموضوع قليلة جدا !!
وقد سبق لي أن نشرت عدة كتب حول هذا الموضوع للرد على أولئك الذين باعوا دينهم بثمن بخس ، ومنها:
الخلاصة في أحكام أهل الذمة
والمفصل في شرح الشروط العمرية
وبابا الفاتيكان في الميزان
وكلها في مكتبة صيد الفوائد ومشكاة وغيرهما من مكتبات على النت .
بالإضافة إلى الكتب التي رددت فيها على شبهات أعداء الإسلام ، ومنها:
المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام
المفصل في الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة
وموسوعة الدفاع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
والمفصل في الرد على الحضارة الغربية
والمسلم بين الهوية الإسلامية والهوية الجاهلية
وموسوعة الغزو الفكري والثقافي وغيرها ، وكلها في مكتبة صيد الفوائد ومشكاة وغيرهما .
ففيها جميعا الرد على هذا التيار ومروجيه ، وقد ذكرت أهل الكتاب في جميعها ، وتحدثت عن طبيعتهم في القرآن الكريم ، ولكن باختصار .
والقرآن الكريم قد فصَّل تاريخ أهل الكتاب ، وبيَّن طبيعتهم ، وما هو موقف المسلمين منهم ، وبما وعدنا سبحانه وتعالى اتجاههم ، بما لا نجد تفصيلًا له في كتاب آخر .
وفي هذا الكتاب جمعت الآيات المتعلقة بأهل الكتاب كلها تقريبًا ، وقمت بشرحها بشكل مختصر بما يدلُّ على المراد منها .
وذكرت بعض الأحاديث المتممة لهذا الموضوع .
وقد قسمته لخمسة أبواب:
الباب الأول- الإسلام خاتمة الرسالات السماوية .
الباب الثاني- طبيعة أهل الكتاب في القرآن الكريم ، ومخازيهم، وموقفهم من الإسلام.
الباب الثالث-ماذا طلب الله منا اتجاههم
الباب الرابع-بم وعدنا الله إزاءهم ؟
الباب الخامس-متى نتصر عليهم ؟
وتحت كل باب تفاصيل ....
وأرجو من الله أن أكون قد سددت ثغرة كبيرة في هذا الكتاب ، كما أرجو أن ينفع الله به كاتبه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين .
قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف/108]
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنَّة
علي بن نايف الشحود
الباب الأول
الإسلام خاتمة الرسالات السماوية
قال تعالى: {.. الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ..} (3) سورة المائدة
يئسوا أن يبطلوه ، أو ينقصوه ، أو يحرفوه ، وقد كتب الله له الكمال؛ وسجل له البقاء . . ولقد يغلبون على المسلمين في موقعة ، أو في فترة ، ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين . فهو وحده الدين الذي بقي محفوظًا لا يناله الدثور ، ولا يناله التحريف أيضًا؛ على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه؛ وعلى شدة ما كادوا له ، وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور . . غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة؛ تعرف هذا الدين؛ وتناضل عنه ، ويبقى فيها كاملًا مفهومًا محفوظًا؛ حتى تسلمه الى من يليها . وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين!
{ فلا تخشوهم واخشون } . . .فما كان للذين كفروا أن ينالوا من هذا الدين في ذاته أبدًا . وما كان لهم أن ينالوا من أهله إلا أن ينحرف أهله عنه؛ فلا يكونوا هم الترجمة الحية له؛ ولا ينهضوا بتكاليفه ومقتضياته؛ ولا يحققوا في حياتهم نصوصه وأهدافه . .
وهذا التوجيه من الله للجماعة المسلمة في المدينة ، لا يقتصر على ذلك الجيل؛ إنما هو خطاب عام للذين آمنوا في كل زمان وفي كل مكان . . نقول: للذين آمنوا .
الذين يرتضون ما رضيه الله لهم من هذا الدين ، بمعناه الكامل الشامل؛ الذين يتخذون هذا الدين كله منهجًا للحياة كلها . . وهؤلاء - وحدهم - هم المؤمنون . .
{ اليوم أكملت لكم دينكم . وأتممت عليكم نعمتي . ورضيت لكم الإسلام دينًا } . .
اليوم . . الذي نزلت فيه هذه الآية في حجة الوداع . . أكمل الله هذا الدين . فما عادت فيه زيادة لمستزيد . وأتم نعمته الكبرى على المؤمنين بهذا المنهج الكامل الشامل . ورضي لهم { الإسلام } دينًا؛ فمن لا يرتضيه منهجًا لحياته - إذن - فإنما يرفض ما ارتضاه الله للمؤمنين .
ويقف المؤمن أمام هذه الكلمات الهائلة؛ فلا يكاد ينتهي من استعراض ما تحمله في ثناياها من حقائق كبيرة ، وتوجيهات عميقة ، ومقتضيات وتكاليف . .
إن المؤمن يقف أولًا: أمام إكمال هذا الدين؛ يستعرض موكب الإيمان ، وموكب الرسالات ، وموكب الرسل ، منذ فجر البشرية ، ومنذ أول رسول - آدم عليه السلام - إلى هذه الرسالة الأخيرة . رسالة النبي الأمي إلى البشر أجمعين . . فماذا يرى؟ . . يرى هذا الموكب المتطاول المتواصل . موكب الهدى والنور . ويرى معالم الطريق ، على طول الطريق . ولكنه يجد كل رسول - قبل خاتم النبيين - إنما أرسل لقومه . ويرى كل رسالة - قبل الرسالة الأخيرة - إنما جاءت لمرحلة من الزمان . . رسالة خاصة ، لمجموعة خاصة ، في بيئة خاصة . . ومن ثم كانت كل تلك الرسالات محكومة بظروفها هذه؛ متكيفة بهذه الظروف . . كلها تدعو إلى إله واحد - فهذا هو التوحيد - وكلها تدعو إلى عبودية واحدة لهذا الإله الواحد - فهذا هو الدين - وكلها تدعو إلى التلقي عن هذا الإله الواحد والطاعة لهذا الإله الواحد - فهذا هو الإسلام - ولكن لكل منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف . .
حتى إذا أراد الله أن يختم رسالاته إلى البشر؛ أرسل إلى الناس كافة ، رسولًا خاتم النبيين برسالة « للإنسان » لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة ، في زمان خاص ، في ظروف خاصة . . رسالة تخاطب « الإنسان » من وراء الظروف والبيئات والأزمنة؛ لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير: { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة « الإنسان » من جميع أطرافها ، وفي كل جوانب نشاطها؛ وتضع لها المبادىء الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان؛ وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان . . وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة « الإنسان » منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان؛ من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات ، لكي تستمر ، وتنمو ، وتتطور ، وتتجدد؛ حول هذا المحور وداخل هذا الإطار .
.وقال الله - سبحانه - للذين آمنوا: { اليوم أكملت لكم دينكم . وأتممت عليكم نعمتي . ورضيت لكم الإسلام دينًا } . .
فأعلن لهم إكمال العقيدة ، وإكمال الشريعة معًا . . فهذا هو الدين . . ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين - بمعناه هذا - نقصًا يستدعي الإكمال . ولا قصورًا يستدعي الإضافة . ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير . . وإلا فما هو بمؤمن؛ وما هو بمقر بصدق الله؛ وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين!
إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن ، هي شريعة كل زمان ، لأنها - بشهادة الله - شريعة الدين الذي جاء « للإنسان » في كل زمان وفي كل مكان؛ لا لجماعة من بني الإنسان ، في جيل من الأجيال ، في مكان من الأمكنة ، كما كانت تجيء الرسل والرسالات .
الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي . والمبادىء الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان؛ دون أن تخرج عليه ، إلا أن تخرج من إطار الإيمان!
والله الذي خلق « الإنسان » ويعلم من خلق؛ هو الذي رضي له هذا الدين؛ المحتوي على هذه الشريعة . فلا يقول: إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم ، إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان؛ وبأطوار الإنسان!
ويقف المؤمن ثانيًا: أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين ، بإكمال هذا الدين؛ وهي النعمة التامة الضخمة الهائلة . النعمة التي تمثل مولد « الإنسان » في الحقيقة ، كما تمثل نشأته واكتماله . « فالإنسان » لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له . وقبل أن يعرف الوجود الذي يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين . وقبل أن يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته على ربه ، كما يعرف ذلك كله من دينه الذي رضيه له ربه . و « الإنسان » لا وجود له قبل أن يتحرر من عبادة العبيد بعبادة الله وحده؛ وقبل أن ينال المساواة الحقيقية بأن تكون شريعته من صنع الله وبسلطانه لا من صنع أحد ولا بسلطانه .
إن معرفة « الإنسان » بهذه الحقائق الكبرى كما صورها هذا الدين هي بدء مولد « الإنسان » . . إنه بدون هذه المعرفة على هذا المستوى؛ يمكن أن يكون « حيوانًا » أو أن يكون « مشروع إنسان » في طريقه إلى التكوين! ولكنه لا يكون « الإنسان » في أكمل صورة للإنسان ، إلا بمعرفة هذه الحقائق الكبيرة كما صورها القرآن . . والمسافة بعيدة بعيدة بين هذه الصورة ، وسائر الصور التي اصطنعها البشر في كل زمان!
وإن تحقيق هذه الصورة في الحياة الإنسانية ، لهو الذي يحقق « للإنسان » « إنسانيته » كاملة . . يحققها له وهو يخرجه بالتصور الاعتقادي ، في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، من دائرة الحس الحيواني الذي لا يدرك إلا المحسوسات ، إلى دائرة « التصور » الإنساني ، الذي يدرك المحسوسات وما وراء المحسوسات .
عالم الشهادة وعالم الغيب . . عالم المادة وعالم ما وراء المادة . . وينقذه من ضيق الحس الحيواني المحدود! ويحققها له وهو يخرجه بتوحيد الله ، من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده ، والتساوي والتحرر والاستعلاء أمام كل من عداه . فإلى الله وحده يتجه بالعبادة ، ومن الله وحده يتلقى المنهج والشريعة والنظام ، وعلى الله وحده يتوكل ومنه وحده يخاف . . ويحققها له ، بالمنهج الرباني ، حين يرفع اهتماماته ويهذب نوازعه ، ويجمع طاقته للخير والبناء والارتقاء ، والاستعلاء على نوازع الحيوان ، ولذائذ البهيمة وانطلاق الأنعام!
ولا يدرك حقيقة نعمة الله في هذا الدين ، ولا يقدرها قدرها ، من لم يعرف حقيقة الجاهلية ومن لم يذق ويلاتها - والجاهلية في كل زمان وفي كل مكان هي منهج الحياة الذي لم يشرعه الله - فهذا الذي عرف الجاهلية وذاق ويلاتها . . ويلاتها في التصور والاعتقاد ، وويلاتها في واقع الحياة . . هو الذي يحس ويشعر ، ويرى ويعلم ، ويدرك ويتذوق حقيقة نعمة الله في هذا الدين . .
الذي يعرف ويعاني ويلات الضلال والعمى ، وويلات الحيرة والتمزق ، وويلات الضياع والخواء ، في معتقدات الجاهلية وتصوراتها في كل زمان وفي كل مكان . . هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الإيمان؛
والذي يعرف ويعاني ويلات الطغيان والهوى ، وويلات التخبط والاضطراب ، وويلات التفريط والإفراط في كل أنظمة الحياة الجاهلية ، هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الحياة في ظل الإيمان بمنهج الإسلام .
ولقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة ، يعرفون ويدركون ويتذوقون هذه الكلمات . لأن مدلولاتها كانت متمثلة في حياتهم ، في ذات الجيل الذي خوطب بهذا القرآن . .كانوا قد ذاقوا الجاهلية . . ذاقوا تصوراتها الاعتقادية . وذاقوا أوضاعها الاجتماعية . وذاقوا أخلاقها الفردية والجماعية وبلوا من هذا كله ما يدركون معه حقيقة نعمة الله عليهم بهذا الدين؛ وحقيقة فضل الله عليهم ومنته بالإسلام .كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية؛ وسار بهم في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة - كما فصلنا ذلك في مستهل سورة النساء - فإذا هم على القمة ينظرون من عل إلى سائر أمم الأرض من حولهم؛ نظرتهم إلى ماضيهم في جاهليتهم كذلك .كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التصورات الاعتقادية حول ربوبية الأصنام ، والملائكة ، والجن ، والكواكب ، والأسلاف؛ وسائر هذه الأساطير الساذجة والخرافات السخيفة؛ لينقلهم إلى أفق التوحيد . إلى أفق الإيمان بإله واحد ، قادر قاهر ، رحيم ودود ، سميع بصير ، عليم خبير . عادل كامل . قريب مجيب . لا واسطة بينه وبين أحد؛ والكل له عباد ، والكل له عبيد . . ومن ثم حررهم من سلطان الكهانة ، ومن سلطان الرياسة ، يوم حررهم من سلطان الوهم والخرافة .وكان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في الأوضاع الاجتماعية . من الفوارق الطبقية؛ ومن العادات الزرية؛ ومن الاستبداد الذي كان يزاوله كل من تهيأ له قدر من السلطان ( لا كما هو سائد خطأ من أن الحياة العربية كانت تمثل الديمقراطية!
« فقد كانت القدرة على الظلم قرينة بمعنى العزة والجاه في عرف السيد والمسود من أمراء الجزيرة من أقصاها في الجنوب إلى أقصاها في الشمال . وما كان الشاعر النجاشي إلا قادحًا مبالغًا في القدح حين استضعف مهجوه ، لأن:
قبيلته لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
» وما كان حجر بن الحارث إلا ملكًا عربيًا حين سام بني أسد أن يستعبدهم بالعصا ، وتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص حيث يقول:
أنت المملك فيهم ... وهم العبيد إلى القيامه
ذلوا لسوطك مثلما ... ذل الأشيقر ذو الخزامه
« وكان عمر بن هند ملكًا عربيًا حين عود الناس أن يخاطبهم من وراء ستار؛ وحين استكثر على سادة القبائل أن تأنف أمهاتهم من خدمته في داره .
» وكان النعمان بن المنذر ملكا عربيا حين بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يومًا للرضى يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء؛ ويومًا للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح إلى المساء .
« وقد قيل عن عزة كليب وائل: إنه سمي بذلك لأنه كان يرمي الكليب حيث يعجبه الصيد ، فلا يجسر أحد على الدنو من مكان يسمع فيه نباحه . وقيل: » لا حر بوادي عوف « لأنه من عزته كان لا يأوي بواديه من يملك حرية في جواره . فكلهم أحرار في حكم العبيد . . » .
وكان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التقاليد والعادات والأخلاق والصلات الاجتماعية . . كان قد التقطهم من سفح البنت الموءودة ، والمرأة المنكودة ، والخمر والقمار والعلاقات الجنسية الفوضوية ، والتبرج والاختلاط مع احتقار المرأة ومهانتها ، والثارات والغارات والنهب والسلب ، مع تفرق الكلمة وضعف الحيلة أمام أي هجوم خارجي جدي . كالذي حدث في عام الفيل من هجوم الأحباش على الكعبة ، وتخاذل وخذلان القبائل كلها ، هذه القبائل التي كان بأسها بينها شديدًا!
(1) - هذا الكلام حسب زعم النصارى في اعتقادهم وفي كتبهم