قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) [الجاثية/18-20] }
لَقَدْ بَعَثَكَ اللهُ يَا مُحمَّدُ ، بَعْدَ اختِلافِ أَهلِ الكِتَابِ ، عَلَى مِنهَاجٍ وَاضِحٍ مِنْ أَمْرِ الدِّين شَرَعَهُ لَكَ ، ولمنْ قَبلَكَ مِنَ الرُّسُلِ ، فاتَّبعْ مَا أَوْحى إِليكَ رَبُّكَ ، وَلا تَتَّبعْ مَا دَعَاكَ المُشرِكُونَ الجَاهِلُونَ إِليهِ مِن عِبَادةِ آلهتِهم ، فَهؤلاءِ لا يَعلَمُونَ طَرِيقَ الحقِّ .
وهؤُلاءِ الجَاهِلُونَ لاَ يَدْفَعُونَ عَنْكَ شَيئًا ممّا أَرادَهُ اللهُ بِك إِنِ اتَّبعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ، وَتَرَكْتَ شَرْعَ رَبِّكَ . والكَافِرونَ يَتَولَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا في الدُّنيا ، وَيُظَاهِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، أَمَّا في الآخِرةِ فلا يُغني أَحَدٌ عنْ أَحَدٍ شَيئًا . أَمَّا المُتَّقُون المهتَدُون فإِنَّ اللهَ وَليُّهُم يَنْصُرُهُم وَيُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ .
إِنَّ هذا القُرآنَ هُدى ودَلائِلُ للنَّاسِ فِيمَا يحتَاجُونَ إِليهِ في أَمرِ دِينِهم ، وَهُوَ بَيِّنَاتٌ تُبَصِّرُهُم ، وَتُعَرِّفُهُم بِواجِبَاتِهِمْ نَحْوَ رَبِّهمْ ، وَهُوَ هُدًى يَهدِيهم إِلى مَا فيهِ خَيرهُمُ وَصَلاحُ أمرِهِم ، وَفيهِ الرَّحمةُ لِقومٍ يُوقِنُونَ بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ العَالمينَ .
وهكذا يتمحض الأمر . فإما شريعة الله . وإما أهواء الذين لا يعلمون . وليس هنالك من فرض ثالث ، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة؛ وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون!
والله سبحانه يحذر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون ، فهم لا يغنون عنه من الله شيئًا . وهم يتولون بعضهم بعضًا . وهم لا يملكون أن يضروه شيئًا حين يتولى بعضهم بعضًا ، لأن الله هو مولاه: { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض . والله ولي المتقين } .
وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعين سبيل صاحب الدعوة وتحدده ، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين } . .
إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف ، وما عداها أهواء منبعها الجهل . وعلى صاحب الدعوة أن يتبع الشريعة وحدها ، ويدع الأهواء كلها . وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء . فأصحاب هذه الأهواء أعجز من أن يغنوا عنه من الله صاحب الشريعة . وهم إلب عليه فبعضهم ولي لبعض . وهم يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له أو جنوحًا عن الهوى الذي يربط بينهم برباطه . ولكنهم أضعف من أن يؤذوه . والله ولي المتقين . وأين ولاية من ولاية؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضًا؛ من صاحب شريعة يتولاه الله . ولي المتقين؟
وتعقيبًا على هذا البيان الحاسم الجازم ، يتحدث عن اليقين ، وعما في هذا القول وأمثاله في القرآن من تبصرة وهدى ورحمة لأهل اليقين: { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } . .ووصف القرآن بأنه بصائر للناس يعمق معنى الهداية فيه والإنارة . فهو بذاته بصائر كاشفة كما أن البصائر تكشف لأصحابها عن الأمور . وهو بذاته هدى . وهو بذاته رحمة . . ولكن هذا كله يتوقف على اليقين . يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك ، ولا يخالطها قلق ، ولا تتسرب إليها ريبة .وحين يستيقن القلب ويستوثق يعرف طريقه ، فلا يتلجلج ولا يتعلثم ولا يحيد . وعندئذ يبدو له الطريق واضحًا ، والأفق منيرًا ، والغاية محددة ، والنهج مستقيمًا ، وعندئذ يصبح هذا القرآن له نورًا وهدى ورحمة بهذا اليقين .
ــــــــــــــ