قال تعالى: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران/113-115]
َيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى بَعْضَ أهْلِ الكِتَابِ مِنْ الكُفْرِ وَالعِصْيَانِ ، فَيَقُولُ: إنَّ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مُهْتَدِيةً ، آمَنُوا إيمَانًا صَادِقًا ، وَأقَامُوا عَلَى أمْرِ اللهِ لَمْ يَنْزَعُوا عَنْهُ ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ ، وَانْضَمُّوا إلى الصَّفِّ المُسْلِمِ ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَيَسْجُدُونَ للهِ .
( وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُرَادَ بِهَذِهِ الأمَّةِ جَمَاعَةٌ مِنَ اليَهُودِ أَسْلَمُوا كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاّمٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ) .
وَقَدْ آمَنُوا بِاللهِ ، وَبِالَيْومِ الآخِرِ ، إيمَانًا صَادِقًا ، وَنَهَضُوا بِتَكَالِيفِ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ ، فَأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ، وَنَهُوا عَنِ المُنْكَرِ ، وَعَمِلُوا الخَيْرَ ، فَجَعَلَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَشَهِدَ لَهُمْ بِهَذَا الصَّلاَحِ .
وَجَمِيع مَا يَفْعَلُونَهُ ، مِنَ الخَيْرِ وَالطَّاعَاتِ ، فَلَنْ يُحْرَمُوا ثَوَابَهُ ، وَسَيَجْزِيهِمُ اللهُ عَلَيْهِ ، وَلَنْ يَنْقُصَهُمْ مِنْهُ شَيئًا ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ .
قال السعدي:"لما بين تعالى الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم،بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا يستوون عنده، بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد مضى وصفهم، وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم { أمة قائمة } أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن ذلك قيامها بالصلاة { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب ربهم وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له. { يؤمنون بالله واليوم الآخر } أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } فحصل منهم تكميل أنفسهم بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل خير، ونهيهم عن كل شر، ومن ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم وصفهم بالهمم العالية { و } أنهم { يسارعون في الخيرات } أي: يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة { من الصالحين } الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه، وأنهم مهما فعلوا { من خير } قليلا كان أو كثيرا { فلن يكفروه } أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال { والله عليم بالمتقين } كما قال تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين } ."
إنها صورة وضيئة للمؤمنين من أهل الكتاب . فقد آمنوا إيمانًا صادقًا عميقًا ، وكاملًا شاملًا ، وانضموا للصف المسلم ، وقاموا على حراسة هذا الدين . . آمنوا بالله واليوم الآخر . . وقد نهضوا بتكاليف الإيمان ، وحققوا سمة الأمة المسلمة التي انضموا إليها - خير أمة أخرجت للناس - فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر . . وقد رغبت نفوسهم في الخير جملة ، فجعلوه الهدف الذي يسابقون فيه ، فسارعوا في الخيرات ، ومن ثم هذه الشهادة العلوية لهم أنهم من الصالحين . وهذا الوعد الصادق لهم أنهم لن يُبخسوا حقًا ، ولن يُكفروا أجرًا .
مع الإشارة إلى أن الله - سبحانه - علم أنهم من المتقين . .
وهي صورة تُرفع أمام الراغبين في هذه الشهادة ، وفي هذا الوعد ، ليحققها في ذات نفسه كل من يشتاق إلى نورها الوضيء في أفقها المنير .
هذا في جانب . . وفي الجانب الآخر ، الكافرون . الكافرون الذين لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم؛ ولن تنفعهم نفقة ينفقونها في الدنيا ولن ينالهم شيء منها في الآخرة لأنها لم تتصل بخط الخير الثابت المستقيم . الخير المنبثق من الإيمان بالله ، على تصور واضح ، وهدف ثابت ، وطريق موصول . وإلا فالخير نزوة عارضة لا ثبات لها ، وجنوح يصرفه الهوى ، ولا يرجع إلى أصل واضح مدرك مفهوم ، ولا إلى منهج كامل شامل مستقيم . .
وقال تعالى: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) } [آل عمران/199]
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ حَقَّ الإِيمَانِ ، وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، مَعَ إيمَانِهِمْ بِمَا فِي الكُتبِ المُتَقَدِّمَةِ ، وَأنَّهُمْ خَاشِعُونَ مُطِيعُونَ للهِ ، لاَ يَكْتُمُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ البِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَمَبْعَثِهِ لِقَاءَ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ . { لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَنًا قَلِيلًا } .
وَهَؤُلاَءِ لَهُمْ أَجْرَهُمْ ، وَسَيُلاَقُونَهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ ( وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ إذْ صَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الغَائِبِ ، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ أيَأمُرُنَا أنْ نُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ مَاتَ فِي الحَبَشَةِ؟ ) .
وقال السعدي:"أي: وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون بالله، ويؤمنون بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب، ويكفر ببعض."
ولهذا -لما كان إيمانهم عاما حقيقيا- صار نافعا، فأحدث لهم خشية الله، وخضوعهم لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه، والوقوف عند حدوده.
وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ومن تمام خشيتهم لله، أنهم { لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا } فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران، الرضا بالدون عن الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية، وترك الحق الذي هو: أكبر حظ وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه، ودعوا إليه، وحذروا عن الباطل، فأثابهم الله على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل، والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه، وأنه سريع الحساب، فلا يستبطؤون ما وعدهم الله، لأن ما هو آت محقق حصوله، فهو قريب.""
إنه الحساب الختامي مع أهل الكتاب . وقد ذكر من طوائفهم ومواقفهم فيما سبق من السورة الكثير . ففي معرض الإيمان ، وفي مشهد الدعاء والاستجابة ، يذكر كذلك أن من أهل الكتاب من سلكوا الطريق ، وانتهوا إلى النهاية . فآمنوا بالكتاب كله ، ولم يفرقوا بين الله ورسله ، ولم يفرقوا بين أحد من رسله . آمنوا بما أنزل إليهم من قبل ، وآمنوا بما أنزل للمسلمين - وهذه سمة هذه العقيدة التي تنظر إلى موكب الإيمان نظرة القرب والود؛ وتنظر إلى خط العقيدة موصولًا بالله ، وتنظر إلى منهج الله في وحدته وكليته الشاملة ، ويبرز من سمات المؤمنين من أهل الكتاب: سمة الخشوع لله وسمة عدم شرائهم بآياته ثمنًا قليلًا . . ليفرقهم بهذا من صفوف أهل الكتاب: وسمتهم الأصيلة هي التبجح وقلة الحياء من الله . ثم التزوير والكتمان لآيات الله ، لقاء أعراض الحياة الرخيصة!
ويعدهم أجر المؤمنين عند الله . الذي لا يمطل المتعاملين معه - حاشاه -!
{ إن الله سريع الحساب } . .
ــــــــــــــ