فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 139

قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا } (51) سورة النساء

جَاءَ بَعْضُ رُؤَسَاءِ اليَهُودِ إلَى قُرَيْشٍ فَسَألْتَهُمْ قُرَيْشٍ: أَهُمْ ، وَمَا هُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ ، خَيْرٌ أَمْ مُحَمَّدٌ وَمَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ؟ فَقَالَ اليَهُودُ: بَلْ قُرَيْشٌ أهْدَى سَبيلًا . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ ، يَعِيبُ فِيهَا عَلَى اليَهُودِ قَوْلَهُمْ هذا ، وَتَفْضِيلَهُمُ الكُفْرَ ، وَعِبَادَةَ الأَصْنَامِ ، عَلَى هُدَى اللهِ ، وَدِينِهِ الحَقِّ .

لقد كان الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ، أولى الناس أن يتبعوا الكتاب؛ وأن يكفروا بالشرك الذي يعتنقه من لم يأتهم من الله هدى؛ وأن يحكموا كتاب الله في حياتهم ، فلا يتبعوا الطاغوت - وهو كل شرع لم يأذن به الله ، وكل حكم ليس له من شريعة الله سند - ولكن اليهود - الذين كانوا يزكون أنفسهم ، ويتباهون بأنهم أحباء الله - كانوا في الوقت ذاته يتبعون الباطل والشرك باتباعهم للكهانة وتركهم الكهان والأحبار يشرعون لهم ما لم يأذن به الله . وكانوا يؤمنون بالطاغوت؛ وهو هذا الحكم الذي يقوم على غير شريعة الله . . وهو طاغوت لما فيه من طغيان - بادعاء الإنسان إحدى خصائص الألوهية - وهي الحاكمية - وبعدم انضباطه بحدود من شرع الله ، تلزمه العدل والحق . فهو طغيان ، وهو طاغوت؛ والمؤمنون به والمتبعون له ، مشركون أو كافرون . . يعجب الله من أمرهم ، وقد أوتوا نصيبًا من الكتاب ، فلم يلتزموا بما أوتوه من الكتاب!

ولقد كانوا يضيفون إلى الإيمان بالجبت والطاغوت ، موقفهم في صف المشركين الكفار ، ضد المؤمنين الذين آتاهم الله الكتاب أيضًا: { ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا } . .

قال ابن إسحاق . حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة - أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس . قال: « كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة ، حيي بن أخطب ، وسلام بن الحقيق ، وأبو رافع ، والربيع بن الحقيق ، وأبو عامر ، ووحوح بن عامر ، وهودة بن قيس ، فأما وحوح وأبو عامر وهودة ، فمن بني وائل ، وكان سائرهم من بني النضير .

.فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود ، وأهل العلم بالكتاب الأول . فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم . فقالوا: دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه . فأنزل الله - عز وجل -: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب } . . . إلى قوله عز وجل: { وآتيناهم ملكًا عظيمًا } . . وهذا لعن لهم ، وإخبار بأنه لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة . لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين . وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم . وقد أجابوهم ، وجاءوا معهم يوم الأحزاب؛ حتى حفر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حول المدينة الخندق ، وكفى الله شرهم { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا . وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويًا عزيزًا } وكان عجيبًا أن يقول اليهود: إن دين المشركين خير من دين محمد ومن معه ، وإن المشركين أهدى سبيلًا من الذين آمنوا بكتاب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكن هذا ليس بالعجيب من اليهود . . إنه موقفهم دائمًا من الحق والباطل ، ومن أهل الحق وأهل الباطل . . إنهم ذوو أطماع لا تنتهي ، وذوو أهواء لا تعتدل ، وذوو أحقاد لا تزول! وهم لا يجدون عند الحق وأهله عونًا لهم في شيء من أطماعهم وأهوائهم وأحقادهم إنما يجدون العون والنصرة - دائمًا - عند الباطل وأهله . ومن ثم يشهدون للباطل ضد الحق؛ ولأهل الباطل ضد أهل الحق!

هذه حال دائمة ، سببها كذلك قائم . . وكان طبيعيًا منهم ومنطقيًا أن يقولوا عن الذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا!

وهم يقولونها اليوم وغدًا . إنهم يشوهون بوسائل الدعاية والإعلام التي في أيديهم كل حركة إسلامية ناجحة على ظهر الأرض؛ ويعينون عليها أهل الباطل لتشويهها وتحطيمها - بالضبط كما كانوا يعينون مشركي قريش ويستنصرون بهم في الوقت ذاته - لتشويه الحركة الإسلامية الأولى وتحطيمها .

ولكنهم أحيانًا - لخبثهم ولتمرسهم بالحيل الماكرة ولملابسات العصر الحديث - قد لا يثنون ثناء مكشوفًا على الباطل وأهله . بل يكتفون بتشويه الحق وأهله . ليعينوا الباطل على هدمه وسحقه . ذلك أن ثناءهم المكشوف - في هذا الزمان - أصبح متهمًا ، وقد يثير الشبهات حول حلفائهم المستورين ، الذين يعملون لحسابهم ، في سحق الحركات الإسلامية في كل مكان . .

بل لقد يبلغ بهم المكر والحذق أحيانًا ، أن يتظاهروا بعداوة وحرب حلفائهم ، الذين يسحقون لهم الحق وأهله . ويتظاهروا كذلك بمعركة كاذبة جوفاء من الكلام . ليبعدوا الشبهة تمامًا عن أخلص حلفائهم ، الذين يحققون لهم أهدافهم البعيدة!

ولكنهم لا يكفون أبدًا عن تشويه الإسلام وأهله . . لأن حقدهم على الإسلام ، وعلى كل شبح من بعيد لأي بعث إسلامي ، أضخم من أن يداروه .

.ولو للخداع والتمويه!

إنها جبلة واحدة ، وخطة واحدة ، وغاية واحدة . . هي التي من أجلها يجبههم الله باللعنة والطرد ، وفقدان النصير . والذي يفقد نصرة الله فما له من ناصر وما له من معين ولو كان أهل الأرض كلهم له ناصر وكلهم له معين: { أؤلئك الذين لعنهم الله . ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا } . .

ولقد يهولنا اليوم أن نجد دول الغرب كلها نصيرًا لليهود . فنسأل: وأين وعد الله بأنه لعنهم ، وأن من يلعن الله فلن تجد له نصيرًا؟

ولكن الناصر الحقيقي ليس هو الناس . ليس هو الدول . ولو كانت تملك القنابل الأيدروجينية والصواريخ . إنما الناصر الحق هو الله . القاهر فوق عباده: ومن هؤلاء العباد من يملكون القنابل الأيدروجينية والصواريخ!

والله ناصر من ينصره . . { ولينصرن الله من ينصره } والله معين من يؤمن به حق الإيمان ، ويتبع منهجه حق الاتباع؛ ويتحاكم إلى منهجه في رضى وفي تسليم . .

ولقد كان الله - سبحانه - يخاطب بهذا الكلام أمة مؤمنة به ، متبعة لمنهجه ، محتكمة إلى شريعته . وكان يهوّن من شأن عدوها - اليهود - وناصريهم . وكان يعد المسلمين النصر عليهم لأنهم - اليهود - لا نصير لهم . وقد حقق الله لهم وعده . وعده الذى لا يناله إلا المؤمنون حقًا . والذي لا يتحقق إلا على أيدي العصبة المؤمنة حين تقوم .

فلا يهولننا ما نلقاه من نصرة الملحدين والمشركين والصليبيين لليهود . فهم في كل زمان ينصرونهم على الإسلام والمسلمين . . فليست هذه هي النصرة . . ولكن كذلك لا يخدعننا هذا . فإنما يتحقق هذا الأمر للمسلمين! ويوم يكونون مسلمين!

وليحاول المسلمون أن يجربوا - مرة واحدة - أن يكونوا مسلمين . ثم يروا بأعينهم إن كان يبقى لليهود نصير . أو أن ينفعهم هذا النصير!

وبعد التعجيب من أمرهم وموقفهم وقولهم؛ وإعلان اللعنة عليهم والخذلان . . يأخذ في استنكار موقفهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين؛ وغيظهم من أن يمن الله عليهم هذه المنة . . منة الدين والنصر والتمكين . وحسدهم لهم على ما أعطاعهم الله من فضله . وهم لم يعطوهم من عندهم شيئًا! ويكشف في الوقت ذاته عن كزازة طبيعتهم؛ واستكثار أي عطاء يناله غيرهم؛ مع أن الله قد أفاض عليهم وعلى آبائهم ، فلم يعلمهم هذا الفيض السماحة؛ ولم يمنعهم من الحسد والكنود: { أم لهم نصيب من الملك؟ فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا! أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله؟ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ، وآتيناهم ملكًا عظيمًا } . .

يا عجبًا! إنهم لا يطيقون أن ينعم الله على عبد من عباده بشيء من عنده . . فهل هم شركاؤه - سبحانه! - هل لهم نصيب في ملكه ، الذي يمنح منه ويفيض؟ ولو كان لهم نصيب لضنوا - بكزازتهم وشحهم - أن يعطوا الناس نقيرًا .

.والنقير النقرة تكون في ظهر النواة - وهذه لا تسمح كزازة يهود وأثرتها البغيضة أن تعطيها للناس ، لو كان لها في الملك نصيب! والحمد لله أن ليس لها في الملك نصيب . . وإلا لهلك الناس جميعًا وهم لا يعطون حتى النقير!!!

أم لعله الحسد . . حسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ، على ما آتاهم الله من فضله . . من هذا الدين الذي أنشأهم نشأة أخرى ووهب لهم ميلادًا جديدًا ، وجعل لهم وجودًا إنسانيا متميزًا؛ ووهبهم النور والثقة والطمأنينة واليقين؛ كما وهبهم النظافة والطهر ، مع العز والتمكين؟

وإنه فعلًا للحسد من يهود . مع تفويت أطماعها في السيادة الأدبية والاقتصادية على العرب الجاهلين المتفرقين المتخاصمين . . يوم أن لم يكن لهم دين . .

ولكن لماذا يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله من النبوة والتمكين في الأرض؟ وهم غارقون في فضل الله من عهد إبراهيم . . الذي آتاه الله وآله الكتاب والحكمة - وهي النبوة - وآتاهم الملك كذلك والسيادة . وهم لم يرعوا الفضل ولم يحتفظوا بالنعمة ، ولم يصونوا العهد القديم ، بل كان منهم فريق من غير المؤمنين . ومن يؤت هذا الفضل كله لا يليق أن يكون منهم جاحدون كافرون!

{ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا . فمنهم من آمن به ، ومنهم من صد عنه } .

إنه لمن أَلأم الحسد: أن يحسد ذو النعمة الموهوب! لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة! أما أن يحسد الواجد المغمور بالنعمة ، فهذا هو الشر الأصيل العميق! شر يهود! المتميز الفريد!

ومن ثم يكون التهديد بالسعير ، هو الجزاء المقابل لهذا الشر النكير: { وكفى بجهنم سعيرًا } . .

وعندما يبلغ السياق هذا المقطع من ذكر الإيمان والصدود عن الإيمان في آل إبراهيم ، يعقب بالقاعدة الشاملة للجزاء . جزاء المكذبين ، وجزاء المؤمنين . . هؤلاء وهؤلاء أجمعين . . في كل دين وفي كل حين؛ ويعرض هذا الجزاء في صورة مشهد من مشاهد القيامة العنيفة الرعيبة: { إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا ، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب . إن الله كان عزيزًا حكيمًا . والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها أبدًا ، لهم فيها أزواج مطهرة ، وندخلهم ظلًا ظليلًا } . .. . . { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب } . . .إنه مشهد لا يكاد ينتهي . مشهد شاخص متكرر . يشخص له الخيال ، ولا ينصرف عنه! إنه الهول . وللهول جاذبية آسرة قاهرة! والسياق يرسم ذلك المشهد ويكرره بلفظ واحد . . « كلما » . . ويرسمه كذلك عنيفًا مفزعًا بشطر جملة . . { كلما نضجت جلودهم } . . ويرسمه عجيبًا خارقًا للمألوف بتكملة الجملة . . { بدلناهم جلودًا غيرها } . . ويجمل الهول الرهيب المفزع العنيف كله في جملة شرطية واحدة لا تزيد!

ذلك جزاء الكفر - وقد تهيأت أسباب الإيمان - وهو مقصود .

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت