قال تعالى: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) } [النساء/160-161]
يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ طَيِّبَاتٍ كَانَتْ حَلاَلًا عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَدِّهِم النَّاسَ عَنْ سَبيلِ اللهِ ، إمَّا بِالأمْرِ بِالمُنْكَرِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ . . . وَإمَّا بِسُوءِ القُدْوَةِ ، فَكَانُوا كُلَّمَا ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً ، أَوْ مُخَالَفَةً لأَمْرِ اللهِ ، وَأَمْرِ رَسُولِهِ ، عَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمِ نَوْعٍ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ ظُلْمِهِمْ ، وَيَتُوبُونَ إلى اللهِ تَعَالَى .
وَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عَلَيْهِمْ أَيْضًا ، بِسَبَبِ تَعَامُلِهِمْ بِالرِّبَا ، وَقَدْ نَهَاهُمُ اللهُ عَنْهُ ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِم ، فَاحْتَالُوا عَلَى أَكْلِهِ بَأْنَواعِ الحِيَلِ ، وَصُنُوفٍ مِنَ الشُّبَهِ ، وَبِسَبَبِ أَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ ، وَذَلِكَ بِالرَّشْوَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالخِيَانَةِ وَنَحْوِها . . . مِمَّا فِيهِ أَخْذٌ لِلْمَالِ بِلاَ مُقَابِلٍ يُعْتَدُّ بِهِ .
وَيَتَهَدَّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالعِقَابِ الأَلِيمِ الذِي أَعَدَّهُ لِمَنْ يَرْتَكِبُ هَذِهِ الجَرَائِمَ ، وَهُوَ الخُلُودُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَفِيهَا العَذَابُ الأَلِيمُ .
يضيف إلى ما سبق من مناكرهم هذه المنكرات الجديدة: الظلم . والصد الكثير عن سبيل الله . فهم ممعنون فيه ودائبون عليه . وأخذهم الربا - لا عن جهل ولا عن قلة تنبيه - فقد نهوا عنه فأصروا عليه! وأكلهم أموال الناس بالباطل . بالربا وبغيره من الوسائل .
بسبب من هذه المنكرات ، ومما أسلفه السياق منها . . حرمت عليهم طيبات كانت حلالًا لهم . وأعد الله للكافرين منهم عذابًا أليمًا .
وهكذا تتكشف هذه الحملة عن كشف طبيعة اليهود وتاريخهم؛ وفضح تعلاتهم وعدم الاستجابة للرسول وتعنتهم؛ ودمغهم بالتعنت مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم؛ ويسر ارتكابهم للمنكر وجهرهم بالسوء في حق الأنبياء والصالحين . بل قتلهم والتبجح بقتلهم! وتسقط بذلك وتتهاوى دسائس اليهود في الصف المسلم وكيدهم ومكرهم وحبائلهم . وتعرف الجماعة المسلمة - ما ينبغي أن تعرفه الأمة المسلمة في كل حين - عن طبيعة اليهود وجبلتهم ، ووسائلهم وطرائقهم؛ ومدى وقوفهم للحق في ذاته سواء جاء من غيرهم أو نبع فيهم . فهم أعداء للحق وأهله ، وللهدى وحملته . في كل أجيالهم وفي كل أزمانهم . مع أصدقائهم ومع أعدائهم . . لأن جبلتهم عدوة للحق في ذاته؛ جاسية قلوبهم ، غليظة أكبادهم لا يحنون رؤوسهم إلا للمطرقة! ولا يسلمون للحق إلا وسيف القوة مصلت على رقابهم . .
وما كان هذا التعريف بهذا الصنف من الخلق ، ليقصر على الجماعة المسلمة الأولى في المدينة . فالقرآن هو كتاب هذه الأمة ما عاشت ، فإذا استفتته عن أعدائها أفتاها ، وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها؛ وإذا استرشدت به أرشدها . وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود ، فدانت لها رقابهم . . ثم لما اتخذته مهجورًا دانت هي لليهود ، كما رأيناها تتجمع فتغلبها منهم الشرذمة الصغيرة ، وهي غافلة عن كتابها . . القرآن . . شاردة عن هدية ، ملقية به وراءها ظهريًا! متبعة قول فلان وفلان!! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود ، حتى تثوب إلى القرآن .
ــــــــــــــ