قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) [المائدة/72-76] }
يَقُولُ تَعَالَى إنَّ الذِينَ قَالُوا: إنَّ المَسِيحَ عِيسَى بِنْ مَرْيَمَ هُوَ اللهُ ، قَدْ كَفَرُوا بِذَلِكَ القَوْلِ ، لأنَّ المَسْيحَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ ، فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: مَنْ ذَا الذِي يَقْدِرُ أَنْ يَمْنَعَ المَسْيِحَ وَأُمَّهُ مِنَ اللهِ ، وَأنْ يَحْمِيَهُمَا مِنْهُ إنْ أرَادَ اللهُ أنْ يُهْلِكَهُمَا؟ بَلْ مَنْ يَسْتَطِيعُ أنْ يَعْتَرِضَ سَبِيلَ إِرَادَةِ اللهِ إنْ أَرَادَ أنْ يُهْلِكَ جَميعَ مَنْ فِي الأَرْضِ مِنَ الخَلاَئِقِ؟ فَاللهُ هُوَ مَالِكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا كَيْفَ يَشَاءُ ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَلا مُعَقِّبَ عَلَى تَصَرُّفِهِ ، فَإِذَا كَانَ الأمْرُ قَدِ التَبَسَ عَلَى هَؤُلاءِ بِسَبَبِ خَلْقِ عِيسَى مِنْ دُونِ أبٍ ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ دُونِ أبٍ وَلاَ أمٍّ .
يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أنَّ الذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ هُمْ كُفَّارٌ ، وَأنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إلاَّ إلَه وَاحِدٌ ، وَهُوَ رَبُّ جَمِيعِ الكَائِنَاتِ وَإلهُهَا . وَيَتَوعَدُ اللهُ القَائِلِينَ ( إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ مِنَ الأَقَانِيمِ ) ، وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ ، لَيَمَسَّنَّ الذِينَ كَفُرُوا مِنْهُمْ ، عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ .
( وَتَقُولُ فِئَةٌ مِنَ النَّصَارَى بِالأَقَانِيمِ الثَّلاَثَةِ ، أقْنُومِ الأَبِ ، وَأقْنُومِ الابْنِ ، وَأقْنُومِ الكَلِمَةِ المُنْبَثِقَةِ مِنَ الأبِ إلى الابْنِ ) .
يَقُولُ تَعَالَى كَيْفَ يَسْمَعُ هَؤُلاَءِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّفْنِيدِ لأَقْوَالِهِمْ ، وَالوَعِيدِ عَلَيْهَا ، ثُمَّ لاَ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى التَّوْحِيدِ ، وَعَلَى اسْتِغْفَارِ اللهِ عَمَّا فَرَّطَ مِنْهُمْ؟ ثُمَّ يَحُثُهُمْ تَعَالَى عَلَى طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ لِيَتُوبَ عَلَيْهِم سُبْحَانَهُ ، وَهُوَ الجَوَادُ الكَرِيمُ .
المَسيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ ، أنْعَمَ اللهُ عَلَيهِ بِالرِّسَالَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْهُ رُسُلٌ مِنَ اللهِ ، وَلَهُ أسْوَةٌ بِهِمْ . وَأمُّهُ مُؤْمِنَةٌ مٌصَدِّقَةٌ لَهُ ( صِدِّيقَةٌ - وَهَذا أعْلَى مَقَامَاتِهَا فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أنَّها لَيْسَتْ نَبِيّةً ) ، وَكَانَ المَسِيحُ وَأمُّهُ يَحْتَاجَانِ إلى الطَّعَامِ وَالغِذاءِ ، وَمَا يَسْتَتْبِعُ الطَّعَامَ وَالغِذَاءَ ، فَهُمَا مَخْلُوقَانِ مِنَ البَشَرِ ، وَلاَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلهًا خَالِقًا ، وَلاَ رَبًّا مَعْبُودًا . فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدٌ كَيْفَ نُوَضِّحُ لَهُمُ الآيَاتِ وَنُظْهِرُهَا ، ثُمَّ انْظُرْ ، بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْضِيحِ ، أيْنَ يَذْهَبُونَ ، وَبأيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ ، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ؟
يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الذِينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَالأنْدَادَ وَالأوْثَانَ وَالمَخْلُوقَاتِ ، ضَلاَلَهُمْ وَكُفْرَهُمْ وَعِبَادَتَهُمْ مَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ ، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: قُلْ لِهَؤُلاَءِ النَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ: أَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ اللهِ الوَاحِدِ الأحَدِ ، وَهُوَ القَوِيُّ القَادِرُ ، الخَالِقُ السَّمِيعُ العَلِيمُ ، وَتَعْبدُونَ مَا لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِغَيْرِهِ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا؟ وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوزًا ، مِنْ بَشَرٍ وَصَنَمٍ وَأنْدَادٍ؟
وقال السعدي:
"لما ذكر تعالى أخذ الميثاق على أهل الكتابين، وأنهم لم يقوموا به بل نقضوه، ذكر أقوالهم الشنيعة.فذكر قول النصارى، القول الذي ما قاله أحد غيرهم، بأن الله هو المسيح ابن مريم، ووجه شبهتهم أنه ولد من غير أب، فاعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل مع أن حواء نظيره، خُلِقَت بلا أم، وآدم أولى منه، خلق بلا أب ولا أم، فهلا ادعوا فيهما الإلهية كما ادعوها في المسيح؟"
فدل على أن قولهم اتباع هوى من غير برهان ولا شبهة. فرد الله عليهم بأدلة عقلية واضحة فقال: { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرْضِ جَمِيعًا } .
فإذا كان المذكورون لا امتناع عندهم يمنعهم لو أراد الله أن يهلكهم، ولا قدرة لهم على ذلك - دل على بطلان إلهية من لا يمتنع من الإهلاك، ولا في قوته شيء من الفكاك.
ومن الأدلة أن { لِلَّهِ } وحده { مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يتصرف فيهم بحكمه الكوني والشرعي والجزائي، وهم مملوكون مدبرون، فهل يليق أن يكون المملوك العبد الفقير، إلها معبودا غنيا من كل وجه؟ هذا من أعظم المحال.
ولا وجه لاستغرابهم لخلق المسيح عيسى ابن مريم من غير أب، فإن الله { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } إن شاء من أب وأم، كسائر بني آدم، وإن شاء من أب بلا أم، كحواء. وإن شاء من أم بلا أب، كعيسى. وإن شاء من غير أب ولا أم [كآدم] .
يخبر تعالى عن كفر النصارى بقولهم: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } بشبهة أنه خرج من أم بلا أب، وخالف المعهود من الخلقة الإلهية، والحال أنه عليه الصلاة والسلام قد كذبهم في هذه الدعوى، وقال لهم: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق.
{ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ } أحدا من المخلوقين، لا عيسى ولا غيره. { فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار.
{ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم بعض ما نزل بهم.
{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ } وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم، زعموا أن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى، كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء، والعقيدة القبيحة؟! كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوقين ؟! كيف خفي عليهم رب العالمين؟! قال تعالى -رادا عليهم وعلى أشباههم: { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ } متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، منفرد بالخلق والتدبير، ما بالخلق من نعمة إلا منه. فكيف يجعل معه إله غيره؟"تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا."
ثم توعدهم بقوله: { وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
ثم دعاهم إلى التوبة عما صدر منهم، وبين أنه يقبل التوبة عن عباده فقال: { أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ } أي: يرجعون إلى ما يحبه ويرضاه من الإقرار لله بالتوحيد، وبأن عيسى عبد الله ورسوله، عما كانوا يقولونه { وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } عن ما صدر منهم { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات.
وصدر دعوتهم إلى التوبة بالعرض الذي هو غاية اللطف واللين في قوله: { أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ } .
ثم ذكر حقيقة المسيح وأُمِّه، الذي هو الحق، فقال: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } أي: هذا غايته ومنتهى أمره، أنه من عباد الله المرسلين، الذين ليس لهم من الأمر ولا من التشريع، إلا ما أرسلهم به الله، وهو من جنس الرسل قبله، لا مزية له عليهم تخرجه عن البشرية إلى مرتبة الربوبية.
{ وَأُمَّهُ } مريم { صِدِّيقَةٌ } أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء. والصديقية، هي العلم النافع المثمر لليقين، والعمل الصالح. وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها الصديقية، وكفى بذلك فضلا وشرفا. وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُّوحِي إِلَيْهِمْ } فإذا كان عيسى عليه السلام من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله؟
وقوله: { كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ } دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران، محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد.
ولما بين تعالى البرهان قال: { انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ } الموضحة للحق، الكاشفة لليقين، ومع هذا لا تفيد فيهم شيئا، بل لا يزالون على إفكهم وكذبهم وافترائهم، وذلك ظلم وعناد منهم.""
أما القول بأن الله هو المسيح بن مريم فهو الكفر؛ وأما القول بأن اليهود والنصارى هم أبناء الله وأحباؤه ، فهو الافتراء الذي لا يستند إلى دليل . . وهذا وذلك من مقولات أهل الكتاب ، التي تخفي نصاعة التوحيد؛ والتي جاءهم الرسول الأخير ليكشف عن الحقيقة فيها ، ويرد الشاردين المنحرفين عن هذه الحقيقة إليها:
{ لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم . قل: فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا؟ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير } . .
إن الذي جاء به عيسى - عليه السلام - من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل رسول .
والإقرار بالعبودية الخالصة لله شأن كل رسول . . ولكن هذه العقيدة الناصعة أدخلت عليها التحريفات؛ بسبب دخول الوثنيين في النصرانية؛ وحرصهم على رواسب الوثنية التي جاءوا بها ومزجها بعقيدة التوحيد ، حتى لم يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية جوهر العقيدة منها .
ولم تجئ هذه الانحرافات كلها دفعة واحدة؛ ولكنها دخلت على فترات؛ وأضافتها المجامع واحدة بعد الأخرى؛ حتى انتهت إلى هذا الخليط العجيب من التصورات والأساطير ، الذي تحار فيه العقول .حتى عقول الشارحين للعقيدة المحرفة من أهلها المؤمنين بها!
وقد عاشت عقيدة التوحيد بعد المسيح - عليه السلام - في تلامذته وفي أتباعهم . وأحد الأناجيل الكثيرة التي كتبت - وهو إنجيل برنابا - يتحدث عن عيسى - عليه السلام - بوصفه رسولًا من عند الله . ثم وقعت بينهم الاختلافات . فمن قائل: إن المسيح رسول من عند الله كسائر الرسل . ومن قائل: إنه رسول نعم ولكن له بالله صلة خاصة . ومن قائل: إنه ابن الله لأنه خلق من غير أب ، ولكنه على هذا مخلوق لله . ومن قائل: إنه ابن الله وليس مخلوقًا بل له صفة القدم كالأب . .
ولتصفية هذه الخلافات اجتمع في عام 325 ميلادية « مجمع نيقية » الذي اجتمع فيه ثمانية وأربعون ألفًا من البطارقة والأساقفة . قال عنهم ابن البطريق أحد مؤرخي النصرانية:
« وكانوا مختلفين في الآراء والأديان . فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله . وهم » البربرانية « . . ويسمون: » الريمتيين « . ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها . وهي مقالة » سابليوس « وشيعته . ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر ، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب ، لأن الكلمة دخلت في أذنها ، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها . وهي مقالة » إليان « وأشياعه . ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره ، وإن ابتداء الابن من مريم ، وإنه اصطفي ليكون مخلصًا للجوهر الإنسي ، صحبته النعمة الإلهية ، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة ، ولذلك سمي » ابن الله « ويقولون: إن الله جوهر قديم واحد ، وأقنوم واحد ، ويسمونه بثلاثة أسماء ، ولا يؤمنون بالكلمة ، ولا بروح القدس . وهي مقالة » بولس الشمشاطي « بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم » البوليقانيون « . ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح ، وطالح ، وعدل بينهما . وهي مقالة » مرقيون « اللعين وأصحابه! وزعموا أن » مرقيون « هو رئيس الحواريين وأنكروا » بطرس « . ومنهم من كانوا يقولون بألوهية المسيح . وهي مقالة » بولس الرسول « ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا . .
وقد اختار الإمبراطور الروماني » قسطنطين « الذي كان قد دخل في النصرانية من الوثنية ولم يكن يدري شيئًا من النصرانية! هذا الرأي الأخير وسلط أصحابه على مخالفيهم ، وشرد أصحاب سائر المذاهب؛ وبخاصة القائلين بألوهية الأب وحده ، وناسوتية المسيح .
وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية عن هذا القرار ما نصه:
» إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجودًا فيه . وأنه لم يوجد قبل أن يولد . وأنه وجد من لا شيء . أو من يقول: إن الابن وجد من مادة أو جوهر غير جوهر الله الآب . وكل من يؤمن أنه خلق ، أو من يقول: إنه قابل للتغيير ، ويعتريه ظل دوران « .
ولكن هذا المجمع بقراراته لم يقض على نحلة الموحدين أتباع » آريوس « وقد غلبت على القسطنطينية ، وأنطاكية ، وبابل ، والإسكندرية ، ومصر .
ثم سار خلاف جديد حول » روح القدس « فقال بعضهم: هو إله ، وقال آخرون: ليس بإله! فاجتمع » مجمع القسطنطينية الأول « سنة 381 ليحسم الخلاف في هذا الأمر .
وقد نقل ابن البطريق ما تقرر في هذا المجمع ، بناء على مقالة أسقف الإسكندرية:
» قال ثيموثاوس بطريك الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله . وليس روح الله شيئًا غير حياته . فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق ، فقد قلنا: إن روح الله مخلوق . وإذا قلنا: إن روح الله مخلوق ، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة . وإذا قلنا: إن حياته مخلوقة ، فقد زعمنا أنه غير حي . وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به . ومن كفر به وجب عليه اللعن «!!!
وكذلك تقررت ألوهية روح القدس في هذا المجمع ، كما تقررت ألوهية المسيح في مجمع نيقية . وتم » الثالوث « من الآب . والابن . وروح القدس . .
ثم ثار خلاف آخر حول اجتماع طبيعة المسيح الإلهية وطبيعته الإنسانية . . أو اللاهوت والناسوت كما يقولون . . فقد رأى » نسطور « بطريرك القسطنطينية أن هناك أقنومًا وطبيعة . فأقنوم الألوهية من الآب وتنسب إليه؛ وطبيعة الإنسان وقد ولدت من مريم ، فمريم أم الإنسان - في المسيح - وليست أم الإله! ويقول في المسيح الذي ظهر بين الناس وخاطبهم - كما نقله عنه ابن البطريق:
» إن هذا الإنسان الذي يقول: إنه المسيح . . بالمحبة متحد مع الابن . . ويقال: إنه الله وابن الله ، ليس بالحقيقة ولكن بالموهبة « . .
ثم يقول: » إن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلهًا في حد ذاته بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة ، أو هو ملهم من الله ، فلم يرتكب خطيئة ، وما أتى أمرًا إدًا « .
وخالفه في هذا الرأي أسقف رومه ، وبطريرك الإسكندرية ، وأساقفة أنطاكية ، فاتفقوا على عقد مجمع رابع . وانعقد » مجمع أفسس « سنة 431 ميلادية . وقرر هذا المجمع - كما يقول ابن البطريق -:
» أن مريم العذراء والدة الله . وأن المسيح إله حق وإنسان ، معروف بطبيعتين ، متوحد في الأقنوم « . . ولعنوا نسطور!
ثم خرجت كنيسة الإسكندرية برأي جديد ، انعقد له » مجمع أفسس الثاني « وقرر:
» أن المسيح طبيعة واحدة ، اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت « .ولكن هذا الرأي لم يسلم؛ واستمرت الخلافات الحادة؛ فاجتمع مجمع « خلقيدونية » سنة 451 وقرر:
« أن المسيح له طبيعتان لا طبيعة واحدة . وأن اللاهوت طبيعة وحدها ، والناسوت طبيعه وحدها ، التقتا في المسيح » . . ولعنوا مجمع أفسس الثاني!
ولم يعترف المصريون بقرار هذا المجمع . ووقعت بين المذهب المصري « المنوفيسية » والمذهب « الملوكاني » الذي تبنته الدولة الإمبراطورية ما وقع من الخلافات الدامية ، التي سبق أن أثبتنا فيها مقالة: « سير . ت . و . أرنولد » في كتابه « الدعوة إلى الإسلام » في مطالع تفسير سورة آل عمران . .
ونكتفي بهذا القدر في تصوير مجمل التصورات المنحرفة حول ألوهية المسيح؛ والخلافات الدامية والعداوة والبغضاء التي ثارت بسببها بين الطوائف ، وما تزال إلى اليوم ثائرة . .
وتجيء الرسالة الأخيرة لتقرر وجه الحق في هذا القضية؛ ولتقول كلمة الفصل؛ ويجيء الرسول الأخير ليبين لأهل الكتاب حقيقة العقيدة الصحيحة: { لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم } . . { لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة }
ويثير فيهم منطق العقل والفطرة والواقع: { قل: فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم ، وأمه ، ومن في الأرض جميعًا؟ } .
فيفرق تفرقة مطلقة بين ذات الله سبحانه وطبيعته ومشيئته وسلطانه ، وبين ذات عيسى - عليه السلام - وذات أمه ، وكل ذات أخرى ، في نصاعة قاطعة حاسمة . فذات الله - سبحانه - واحدة . ومشيئته طليقة ، وسلطانه متفرد ، ولا يملك أحد شيئًا في رد مشيئته أو دفع سلطانه إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا . .
وهو - سبحانه - مالك كل شيء ، وخالق كل شيء ، والخالق غير المخلوق . وكل شيء مخلوق: { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، يخلق ما يشاء ، والله على كل شيء قدير } . .
ــــــــــــــ