قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) } [الحديد/28، 29]
يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى ، عَلَى تَقْوى اللهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالإِيْمَانِ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيَعِدُهُمْ إِنْ هُمْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ، وَاتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا العَمَلَ بِأنَّهُ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أَجْرَهُمْ ضِعْفَيْنِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيْمَانِهِمْ بِنَبِّيهِمْ وَبِالأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ قَبْلَهُ ، وَأَجْرًا آخَرَ لإِيْمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ، وَأَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ هُدى وَنُورًا يَمْشُونَ بِهِ فَيُجِنِّبُهُمْ العَمَى وَالضَّلاَلَةَ ، وَأَنَّهُ سَوْفَ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَيُعْلِمُهُمْ بِأَنَّ اللهَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ لِمَنْ شَاءَ ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ ، يَقْبَلُ إِنْ أَحْسَنُوا التَّوْبَةَ إِلَيهِ .
( وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَمَا فَخَرَ مُؤْمِنُوا أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } فَجَعَلَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَجْرَينِ وَزَادَهُمْ نُورًا ) .
وَفِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:"ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ:"
-رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيَّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ .
-وَعَبَدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ .
-وَرَجُلٌ أَدَّبَ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأَدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ") . ( رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ) ."
وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَنَّهُمْ لاَ يَنَالُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ مِنَ الأجْرَينِ شَيئًا ، كَثِيرُ العَطَاءِ ، يَمْنَحُ فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَلاَ يَخُصُّ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ .
وقال السعدي:
"وهذا الخطاب، يحتمل أنه [خطاب] لأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا الله فيتركوا معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم الله { كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ } أي: نصيبين من الأجر نصيب على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ."
ويحتمل أن يكون الأمر عاما يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم الله { كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ } لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى.
{ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ } أي: يعطيكم علما وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.
{ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } فلا يستكثر هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عم فضله أهل السماوات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين ولا أقل من ذلك.
[وقوله] { لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي: بينا لكم فضلنا وإحساننا لمن آمن إيمانا عاما، واتقى الله، وآمن برسوله، لأجل أن أهل الكتاب يكون لديهم علم بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي: لا يحجرون على الله بحسب أهوائهم وعقولهم الفاسدة، فيقولون: { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } ويتمنون على الله الأماني الفاسدة، فأخبر الله تعالى أن المؤمنين برسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، المتقين لله، لهم كفلان من رحمته، ونور، ومغفرة، رغما على أنوف أهل الكتاب، وليعلموا { أن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } ممن اقتضت حكمته تعالى أن يؤتيه من فضله، { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الذي لا يقادر قدره] .""
ونداؤهم على هذا النحو: يا أيها الذين آمنوا فيه لمسة خاصة لقلوبهم , واستحياء لمعنى الإيمان , وتذكير برعايته حق رعايته ; واستجاشة للصلة التي تربطهم بربهم الذي يناديهم هذا النداء الكريم الحبيب . وباسم هذه الصلة يدعوهم إلى تقوى الله والإيمان برسوله . فيبدو للإيمان المطلوب معنى خاص . . معنى حقيقة الإيمان وما ينبثق عنها من آثار .
اتقوا الله وآمنوا برسوله . . (يؤتكم كفلين من رحمته) . . أي يعطكم نصيبين من رحمته وهو تعبير عجيب . فرحمة الله لا تتجزأ , ومجرد مسها لإنسان يمنحه حقيقتها . ولكن في هذا التعبير زيادة امتداد للرحمة وزيادة فيض . .
(ويجعل لكم نورا تمشون به) . وهي هبة لدنية يودعها الله القلوب التي تستشعر تقواه , وتؤمن حق الإيمان برسوله . هبة تنير تلك القلوب فتشرق , وترى الحقيقة من وراء الحجب والحواجز , ومن وراء الأشكال والمظاهر ; فلا تتخبط , ولا تلتوي بها الطريق . . (نورا تمشون به) . .
(ويغفر لكم . والله غفور رحيم) . . . فالإنسان إنسان مهما وهب من النور . إنسان يقصر حتى لو عرف الطريق . إنسان يحتاج إلى المغفرة فتدركه رحمة الله . . (والله غفور رحيم) . . (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله) . لتنالوا كفلين من رحمة الله . ويكون لكم ذلك النور تمشون به . وتدرككم رحمة الله بالمغفرة من الذنب والتقصير . . (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله . وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) . . فقد كان أهل الكتاب يزعمون أنهم شعب الله المختار , وأنهم أبناء الله وأحباؤه: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) . . (وقالوا:لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) . . فالله يدعو الذين آمنوا إلى استحقاق رحمته وجنته وهبته ومغفرته حتى يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على احتجاز شيء من فضله , وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء , غير مقصور على قوم , ولا محجوز لطائفة , ولا محدود ولا قليل: (والله ذو الفضل العظيم) . .
وهي دعوة فيها تحضيض واستجاشة واستشارة للسباق إلى الجنة والرحمة . تختم بها السورة ختاما يتناسق مع سياقها كله , ومع الهتاف المكرر فيها لهذه القلوب كي تحقق إيمانها وتخشع لربها وتستجيب لتكاليف الإيمان في الأموال والأرواح . في تجرد وإخلاص .
وبعد فهذه السورة نموذج من النماذج القرآنية الواضحة في خطاب القلوب البشرية , واستجاشتها بأسلوب عميق التأثير . وهي في بدئها وسياقها وختامها ; وفي إيقاعاتها وصورها وظلالها ; وفي طريقة تناولها للموضوع وسيرها فيه جولة بعد جولة , وشوطا بعد شوط . . هي في هذا كله درس بديع لأصحاب هذه الدعوة , يعلمهم كيف يخاطبون الناس , وكيف يوقظون الفطرة , وكيف يستحيون القلوب !
إنها درس رباني من صانع القلوب , ومنزل القرآن , وخالق كل شيء بقدر . وفي هذه المدرسة الإلهية يتخرج الدعاة المستجابون الموفقون . . .
ــــــــــــــ