فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 139

قال تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء:104)

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالجِدِّ فِي قِتَالِ الأَعْدَاءِ ، وَفِي طَلَبِهِمْ وَيُنَبِّهُهُمْ إلى أَنَّهُمْ إنْ كَانَتْ تُصِيبُهُمْ جِرَاحٌ ، وَيَأْلَمُونَ مِنْهَا ، فَإِنَّ أَعْدَاءَهُمْ تُصِيبُهُمْ أَيْضًا جِرَاحٌ ، وَيَأْلَمُونَ مِنْهَا . وَالفَارِقُ الوَحِيدُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ أنَّ المُؤْمِنَ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ المَثُوبَةَ وَالأَجْرَ ، وَالنَّصْرَ وَالتَّأيِيدَ ، وَإِعْلاَءَ كَلِمَةِ اللهِ ، التِي وَعَدَهُ اللهُ بِهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ، فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ ، وَالكَافِرِ لا يَنْتَظِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ فِيمَا يَفْرِضُهُ وَيُقَدِّرُهُ ..

إنهن كلمات معدودات . يضعن الخطوط الحاسمة ، ويكشفن عن الشقة البعيدة ، بين جبهتي الصراع

إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة . . ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه . . إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء . . ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء . . إن المؤمنين يتوجهون إلى الله بجهادهم ، ويرتقبون عنده جزاءهم . . فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون ، لا يتجهون لله ، ولا يرتقبون عنده شيئًا في الحياة ولا بعد الحياة . .

فإذا أصر الكفار على المعركة ، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارًا ، وإذا احتمل الكفار آلامها ، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام . وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال ، وتعقب آثارهم ، حتى لا تبقى لهم قوة ، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله .

وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح .

فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة ، ويربو الألم على الاحتمال . ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد . هنالك يأتي المدد من هذا المعين ، ويأتي الزاد من ذلك الكنف الرحيم .

ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة . معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين . لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل .

ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة . . ولكن القاعدة لا تتغير . فالباطل لا يكون بعافية أبدًا ، حتى ولو كان غالبًا! إنه يلاقي الآلام من داخله . من تناقضه الداخلي؛ ومن صراع بعضه مع بعض . ومن صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء .وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار . وأن تعلم أنها إن كانت تألم ، فإن عدوها كذلك يألم . والألم أنواع . والقرح ألوان . . { وترجون من الله ما لا يرجون } . . وهذا هو العزاء العميق . وهذا هو مفرق الطريق . . { وكان الله عليمًا حكيمًا } . .يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب . ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والقرح . .

وقد تكلم الإمام الرازى عن الحكمة في مداولة الأيام بين الناس فقال ما ملخصه: واعمل أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين ، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف ، وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه:

الأول: إنه - سبحانه - لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات . لحصل العلم الاضطرارى بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب ، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية ، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله .

والثانى: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى ، فيكون تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبًا ، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبًا من الله عليه"."

ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين في اتخاذ وسائل النصر فلا يركنوا إلى إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب .ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث في غزوة أحد ، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال - تعالى - {وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ}

أى فعلنا ما فعلنا في أحد ، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم ، ليظهر أمركم - أيها المؤمنون - ، وليتميز قوى الإيمانى من ضعيفه .فمعنى علم الله هو تحقيق ما قدره في الأزل فيعلمه الناس ، ويعلمه الله - تعالى - واقعا حاضرا ، وذلك لأن العلم الغيبيى لا يتربت عليه ثواب ولا عقاب ، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحس .قال صاحب الكشاف: وقوله { وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُواْ } فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعلل محذوفا والمعنى: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك . وهو من باب التمثيل . بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت ، وإلا فالله - عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها .

والثاني: أنه تكون العلة محذوفة ، وهذا عطف عليه والمعنى: وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم الله . وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى عليهم ، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب ، ولا يشعر أن لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه""

وقوله { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد .

أى: وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله ، والدفاع عن الحق . وهو - سبحانه - يحب الشهداء من عباده ، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات ، وأسمى المنازل .قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } أي يكرمكم بالشهادة ، أي ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل: لهذا قيل شهيد .

وقيل: سمى شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة . وقيل: سمى شهيدا ، لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم ، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر للجنة . والشهادة فضلها عظيم ويكفيك في فضلها قوله - تعالى - { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } الآية . وفى الحديث الشريف"أن رجلا قال: يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة""

وقوله - تعالى - { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } جملة معترضة لتقدير مضمون ما قبلها .أى: والله - تعالى - لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق ، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق ، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء دين الله ، ونصره شريعته .

ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين في غزوة أحد فقال: { وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الكافرين } .وقوله { وَلِيُمَحِّصَ } من المحص بمعنى التنقية والتخليص . يقال: محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث .أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار .وقوله { وَيَمْحَقَ } من المحق وهو محو الشىء والذهاب به ، وأصله نقص الشىء قليلا قليلا حتى يفنى . يقال: محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق ، لأخر الشهر ، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى .والمعنى: ولقد فعل - سبحانه - ما فعل في غزوة أحد ، لكى يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب ، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم ، ولكى يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر اربع حكم لما حدث للمؤمنين في غزوة أحد وهيى: تحقق علم الله - تعالى - وإظهاره للمؤمنين ، وإكرام بعضهم بالشهادة التى توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات ، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن المنافقين ، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا .

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت