قال تعالى: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) } [النساء/153، 159]
سَأَلَ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالتَّعْجِيزِ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِم كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ مَكْتُوباَ بِخَطٍّ سَمَاويٍّ ، يَشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ، كَمَا نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى مَكْتُوبَةً . وَسَأَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَنْ يُفَجِّرَ لَهُمْ مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ، وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ تَعْجَبْ مِنْ سُؤَالِهِمْ هَذا ، فَإِنَّ اليَهُودَ ، مِنْ أَسْلاَفِهِمْ ، قَدْ سَأَلُوا مُوسَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا لَهُ: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً وَعَيَانًا ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِإِنْزَالِ الصَّاعِقَةِ عَلَيْهِمْ ، بِسَبَبِ طُغْيَانِهِمْ ، وَبَغْيِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَلأَنَّهُمْ سَألُوا مُوسَى تَعَنُّتًا ، وَبَعْدَ أَنْ رَأَوا مِنْ آيَاتِ اللهِ البَاهِرَةِ عَلَى يَدِ مُوسَى فِي مِصْرَ ، مِنْ إِهْلاَكِ فِرْعَونَ وَجُنُودِهِ فِي البَحْرِ . ثُمَّ عَبَدُوا العِجْلَ حِينَما كَانَ مُوسَى يُنَاجِي رَبَّهُ ، ثُمَّ أَعْطَى اللهُ مُوسَى سُلَطَةً ظَاهِرَةً عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَخْضَعَهُمْ لِسُلْطَانِهِ ، مَعَ مَا هُمْ عَلَيهِ مِنْ تَمَرُّدٍ وَعِنَادٍ . فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِأنْ يَقْتُلَ البَرِيءُ مِنْهُمُ المُذْنِبَ فَعَلُوا .
ثُمَّ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ ، وَمَا جَاءَ فِيهَا ، فَظَهَرَ مِنْهُمْ إبَاءٌ وَتَمَرَّدَ عَلَى مُوسَى ، وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ ، فَرَفَعَ اللهُ فَوْقَهُمْ جَبَلَ الطُّورِ ، وَهَدَّدَهُمْ بِإسْقَاطِهِ عَلَيْهِمْ ، إنْ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِهَا ، فَخَافُوا وَقَبِلُوا العَمَلَ بِهَا . ثُمَّ أَمَرَهُمُ اللهُ بِأنْ يَدْخُلُوا بَابَ أَوَّلِ مَدِينَةٍ احْتَلُّوهَا فِي الأَرْضِ سُجَّدًا للهِ شُكْرًا لَهُ عَلَى نِعَمِهِ ، وَأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ ( أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا وَذُنُوبَنَا ) فَدَخَلُوهُ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ ( أَدْبَارِهِمْ ) وَهُمْ يَقُولُونَ: ( حِنْطَةٌ فِي شَعْرَةٍ ) .
وَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ السَّبْتِ ، وَحُرْمَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ ، فَاحْتَالُوا فِيهِ لِصَيْدِ الحِيتَانِ ، عَنْ طَرِيقِ نَصْبِ الشِّبَاكِ لَهَا قَبْلَ حُلُولِ السَّبْتِ ، وَجَمْعِهَا بَعْدَ انْقِضَائِهِ .
وَأَخَذَ اللهُ مِنْهُمْ عَهْدًا مُؤَكَّدًا ( مِيثَاقًا غَلِيظًا ) لَيَأْخُذُنَّ بِأحْكَامِ التَّوْرَاةِ بِقُوَّةٍ ، وَلَيُقِيمُنَّ حُدُودَ اللهِ ، وَلا يَتَجَاوَزُهَّا ، فَخَالَفُوا وَعَصَوْا ، وَارْتَكَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ ، عَنْ طَرِيقِ الحِيلَةِ وَالخِدَاعِ .
فَبِسَبَبِ نَقْضِ هَؤُلاَءِ اليَهُودِ لِلْمِيثَاقِ الذِي وَاثَقَهُمُ اللهُ بِهِ ، ( إذْ أحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ ، وَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللهُ ) . وَبِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بَآيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِهِ ، وَبِسَبَبِ قَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَاجْتِرَاءً عَلَى مَحَارِمِ اللهِ ، وَبِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنَا مُغَلَّفَةٌ بِغِطَاءٍ لاَ يَتَيَسَّرُ مَعَهُ وُصُولُ العِلْمِ وَالهُدى إليها ( غُلفٌ ) . . . فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاعْتِدَاءِ وَالتَّجَاوُزِ عَلَى أَوَامِرِ اللهِ وَحُدُودِهِ وَشَرْعِهِ ، فَعَلَ اللهُ بِهِمْ مَا فَعَلَ . وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ لَيْسَتْ مُغَلَّفةً ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَيْهَا بِالكُفْرِ ، فَلاَ يَصِلُ إليها إلاَّ قَلِيلٌ مِنَ الإِيمَانِ ( أَوْ إنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إلاّ قَلِيلُونَ ) .
وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بِهِمْ غَضَبَهُ ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِعِيسَى وَرِسَالَتِهِ ، وَرَمْيِهِمْ أمَّهُ الطَّاهِرَةُ البَتُولَ بِالبُهْتَانِ وَالكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ .
وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لأَنَّهُمْ قَالُوا سَاخِرِينَ مُسْتَهْزِئِينَ: إِنَّهُمْ قَتَلُوا المَسِيحَ عَلَيهِ السَّلاَمُ ، وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ ، وَلَمْ يَصْلُبُوهُ ، وَإِنَّمَا صَلَبُوا شَخْصًا آخَرَ غَيْرَهُ فَاشْتَبَهَ الأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَالْتَبَسَ ، وَلَمْ يَتَيَّقَنُوا مِنْ أَنَّهُ هُوَ المَسِيحُ بِعَيْنِهِ ، إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ . وَالأَنَاجِيلُ تَقُولُ إنَّ الذِي أَسْلَمَهُ إلى الجُنْدِ هُوَ يَهُوذا الأَسْخَرْيوطِيُّ ، وَقَدْ جَعَلَ لَهُمْ عَلاَمَةً هِيَ أنَّ مَنْ قَبَّلَهُ يَكُونُ هُوَ المَسِيحَ ، فَلَمَّا قَبَّلَهُ قَبَضُوا عَلَيْهِ .
وَانْجِيلُ بِرْنَابَا يَقُولُ إنَّ الجُنُوَد أَخَذُوا يَهُوذَا الأسْخَرْيُوطِيَّ نَفْسَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أنَّهُ المَسِيحُ ، لأنَّ اللهَ أَلْقَى عَلَيهِ شَبَهَهُ . وَالذِينَ اخْتَلَفُوا فِي شَأْنِ عِيسَى مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَفِي شَكٍّ وَتَرَدُّدٍ مِنْ حَقِيقَةِ أَمْرِ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ ، إذْ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ، وَإِنَّمَا هُمْ يَتْبَعُونَ الظَّنَّ وَالقَرَائِنَ التِي تُرَجِّحُ بَعْضَ الآرَاءِ عَلَى بَعْضٍ .
وَالذِي تَمَّ فِعْلًا هُوَ أنَّ اللهَ أَنْجَاهُ مِنْ كَيْدِ اليَهُودِ ، وَرَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَاللهُ سَبْحَانَهُ عَزِيزُ الجَانِبِ ، لاَ يُرَامُ جنابُهُ ، وَلا يُضَامُ مَنْ لاَذَ بِبَابِهِ الكَرِيمِ ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الأُمُورِ .
( وَقِيلَ فِي مَعْنَى: رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ: إنَّهُ تَوَفَّاهُ وَطَهَّرَهُ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا . وَقِيلَ أَيْضًا بَلِ المَعْنَى هُوَ أنَّ اللهَ تَعَالَى رَفَعَهُ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ إلى السَّمَاءِ . وَقِيلَ أَيْضًا إنَّ اللهَ رَفَعَهُ إلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ ) .
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ ، وَالذِي اخْتَارَهُ ابْنُ كَثيرٍ هُوَ أنَّهُ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ إلى الأَرْضِ ، بَعْدَ أنْ رَفَعَهُ اللهُ إلَى السَّمَاءِ ، إلاَّ آمَنَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ اللهُ عَلَيهِ بِالمَوْتِ ، وَيَكُونُ عِيسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَاهِدًا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ أَبْلَغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ ، وَأَقَرَّ بِعُبُودِيَّتِهِ للهِ .
( وَهُنَاكَ مَنْ قَاَل بَلِ المَعْنَى هُوَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ عِنْدَمَا يُدْرِكُهُ المَوْتُ ، يَنْكَشِفُ لَهُ الحَقُّ فِي أَمْرِ عِيسَى ، وَسِواهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ، فَيُؤْمِنُ بِعِيسَى إِيمَانًا حَقًّا صَحِيحًا ) .
وقال السعدي:
"هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - على وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم. وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده كما قال تعالى عن الرسول، لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرًا رَّسُولا } ."
وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب جملة أو مفرقا، مجرد دعوى لا دليل عليها ولا مناسبة، بل ولا شبهة، فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل مفرقا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟
بل نزول هذا القرآن مفرقا بحسب الأحوال مما يدل على عظمته واعتناء الله بمن أنزل عليه، كما قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } .
فلما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به. من سؤالهم له رؤية الله عيانا، واتخاذهم العجل إلهًا يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم.
ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم وهو التوراة، حتى رفع الطور من فوق رءوسهم وهددوا أنهم إن لم يؤمنوا أسقط عليهم، فقبلوا ذلك على وجه الإغماض والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري.
ومن امتناعهم من دخول أبواب القرية التي أمروا بدخولها سجدا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل. ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة.
وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم فنبذوه وراء ظهورهم.
وكفروا بآيات الله وقتلوا رسله بغير حق. ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه بل شُبِّه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه.
وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدهم الناس عن سبيل الله، فصدوهم عن الحق، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي. وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه.
فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه، ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات يُجعل هذا معها.
وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة لم يبسطها في هذا الموضع، بل أشار إليها، وأحال على مواضعها وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها.
وقوله: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } يحتمل أن الضمير هنا في قوله: { قَبْلَ مَوْتِهِ } يعود إلى أهل الكتاب، فيكون على هذا كل كتابي يحضره الموت ويعاين الأمر حقيقة، فإنه يؤمن بعيسى عليه السلام ولكنه إيمان لا ينفع، إيمان اضطرار، فيكون مضمون هذا التهديد لهم والوعيد، وأن لا يستمروا على هذه الحال التي سيندمون عليها قبل مماتهم، فكيف يكون حالهم يوم حشرهم وقيامهم؟""
ويحتمل أن الضمير في قوله: { قَبْلَ مَوْتِهِ } راجع إلى عيسى عليه السلام، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت المسيح، وذلك يكون عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار.
فإنه تكاثرت الأحاديث الصحيحة في نزوله عليه السلام في آخر هذه الأمة. يقتل الدجال، ويضع الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين. ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا، يشهد عليهم بأعمالهم، وهل هي موافقة لشرع الله أم لا؟
وحينئذ لا يشهد إلا ببطلان كل ما هم عليه، مما هو مخالف لشريعة القرآن وَلِمَا دعاهم إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، علمنا بذلك، لِعِلْمِنَا بكمال عدالة المسيح عليه السلام وصدقه، وأنه لا يشهد إلا بالحق، إلا أن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الحق وما عداه فهو ضلال وباطل.""
لقد وقف اليهود في الجزيرة من الإسلام ونبي الإسلام ذلك الموقف العدائي المتعنت المكشوف ، وكادوا له ذلك الكيد المبيت المستمر العنيد ، الذي وصفه القرآن تفصيلًا ، واستعرضنا ألوانًا منه في سورتي البقرة وآل عمران ، وفي هذه السورة كذلك من قبل - في الجزء الخامس - وهذا الذي تقصه الآيات هنا لون آخر .
إنهم يتعنتون فيطلبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بكتاب من السماء . . كتاب مخطوط ينزله عليهم من السماء مجسمًا يلمسونه بأيديهم:
{ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء } : ويتولى الله - سبحانه - الإجابة عن نبيه . ويقص عليه وعلى الجماعة المسلمة - في مواجهة اليهود - صفحة من تاريخهم مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم موسى - عليه السلام - الذي يزعمون أنهم يؤمنون به؛ ويرفضون التصديق بعيسى من بعده وبمحمد!
إن هذه الجبلة ليست جديدة عليهم؛ وليست طابع هذا الجيل وحده منهم ، إنما هي جبلتهم من قديم.
إنهم هم هم من عهد موسى - نبيهم وقائدهم ومنقذهم - إنهم هم هم غلظ حس فلا يدركون إلا المحسوسات . . وهم هم تعنتًا وإعناتًا فلا يسلمون إلا تحت القهر والضغط . . وهم هم كفرًا وغدرًا فسرعان ما ينقلبون فينقضون عهدهم - لا مع الناس وحدهم ولكن مع ربهم كذلك - وهم هم قحة وافتراء؛ فلا يعنيهم أن يتثبتوا من قول؛ ولا يتورعون كذلك عن الجهر بالنكر . . وهم هم طمعًا في عرض الدنيا؛ وأكلًا لأموال الناس بالباطل؛ وإعراضًا عن أمر الله وعما عنده من ثواب . .
إنها حملة تفضحهم وتكشفهم؛ وتدل قوتها وتنوع اتجاهاتها ، على ما كان يقتضيه الموقف لمواجهة خبث الكيد اليهودي للإسلام ونبي الإسلام في ذلك الأوان . . وهو هو خبث الكيد الذي ما يزالون يزاولونه ضد هذا الدين وأهله حتى الآن .
{ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء } . . .
فلا عليك من هذا التعنت؛ ولا غرابة فيه ولا عجب منه: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: أرنا الله جهرة } .
ولم تبلغ الآيات البينات التي أظهرها الله لهم على يد موسى نبيهم أن تلمس حسهم؛ وتوقظ وجدانهم وتقود قلوبهم إلى الطمأنينة والاستسلام؛ فإذا هم يطلبون رؤية الله - سبحانه - عيانًا! وهو مطلب طابعة التبجح الذي لا يصدر عن طبع خالطته بشاشة الإيمان؛ أو فيه استعداد للإيمان .
{ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } . .ولكن الله - سبحانه - عفا عنهم؛ وتقبل فيهم دعاء موسى عليه السلام وضراعته إلى ربه؛ كما ورد في السورة الأخرى { فلما أخذتهم الرجفة ، قال: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي . أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء . أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين . واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة . إنا هدنا إليك . . . }
{ ثم اتخذوا العجل - من بعد ما جاءتهم البينات - } .عجل الذهب ، الذي صاغه لهم السامري ، مما كانوا قد أخذوه - حيلة - من نساء المصريين وهم خارجون من مصر - فإذا هم يعكفون عليه؛ ويتخذونه إلهًا في غيبة موسى عنهم في مناجاة ربه ، في الموعد الذي حدده له ، لينزل عليه الألواح فيها هدى ونور .
{ فعفونا عن ذلك } . .ولكن اليهود هم اليهود . لا يفلح معهم إلا القهر والخوف:
{ وآتينا موسى سلطانًا مبينًا . ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم . وقلنا لهم: ادخلوا الباب سجدًا . وقلنا لهم: لا تعدوا في السبت . وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا } . .
والسلطان الذي آتاه الله موسى هو - في الغالب - الشريعة التي تضمنتها الألواح ، فشريعة الله سلطان من الله؛ وكل شريعة غير شريعة الله ما أنزل الله بها من سلطان؛ وما جعل فيها من سطوة على القلوب . لذلك تستهين القلوب بالشرائع والقوانين التي يسنها البشر لأنفسهم ، ولا تنفذها إلا تحت عين الرقيب وسيف الجلاد . فأما شريعة الله فالقلوب تخضع لها وتخنع؛ ولها في النفس مهابة وخشية . .
ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح . . وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة . إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم؛ تهددهم بالوقوع عليهم؛ إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم الله من العهد؛ وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح . . عندئذ فقط استسلموا؛ وأخذوا العهد؛ وأعطوا الميثاق . . ميثاقًا غليظًا . . مؤكدًا وثيقًا . . يذكره - بهذه الصفة - ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم ، وغلظ القلب الذي في صدورهم ، ثم يعطي - إلى جانب التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير ، وبالتخييل الحسي والتجسيم .
وكان في هذا الميثاق: أن يدخلوا بيت المقدس سجدًا . وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيدًا . ولكن ماذا كان؟ إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم؛ وغياب القهر لهم ، تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه ، وكفروا بآيات الله ، وقتلوا أنبياءه بغير حق . وتبجحوا فقالوا: إن قلوبنا لا تقبل موعظة ، ولا يصل إليها قول ، لأنها مغلفة دون كل قول! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها الله سبحانه على رسوله وعلى المسلمين - في مواجهة اليهود - في سياق هذه الآيات . .
{ فبما نقضهم ميثاقهم ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف . . . } وعند قولهم: { قلوبنا غلف } . . وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما تيئيسًا له من إيمانهم واستجابتهم ، وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم ، وتبجحًا بالتكذيب وعدم الإصغاء ، وإما هذا وذلك معًا . . عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم: { بل طبع الله عليها - بكفرهم - فلا يؤمنون إلا قليلًا - }
فهي ليست مغلفة بطبعها . إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع الله على قلوبهم ، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة ، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته ، فلا يقع منه الإيمان ، إلا قليلا ، ممن لم يستحق بفعله ، أن يطبع الله على قلبه . أي أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه ، فهداهم الله إليه ورزقهم إياه . وهم قلة قليلة من اليهود . كعبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، وأسد بن عبيدالله . .
وبعد هذا الاستدراك والتعقيب ، يعود السياق إلى تعداد الأسباب التي استحقوا عليها ما استحقوا من تحريم بعض الطيبات عليهم في الدنيا ، ومن إعداد النار وتهيئتها لهم ، لتكون في انتظارهم في الآخرة!
{ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا . وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. . }
ويكرر صفة الكفر كلما ذكر إحدى منكراتهم . فقد ذكرها عند قتلهم الأنبياء بغير حق - وما يقتل نبي بحق أبدًا فهي حال لتقرير الواقع - وذكرها هنا بمناسبة قولهم على مريم بهتانًا عظيمًا . وقد قالوا على مريم الطاهرة ذلك المنكر الذي لا يقوله إلا اليهود! فرموها بالزنا مع يوسف النجار - لعنة الله عليهم! ثم تبجحوا بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه ، وهم يتهكمون بدعواه الرسالة فيقولون: قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله!
وحين يصل السياق إلى هذه الدعوى منهم يقف كذلك للرد عليها ، وتقرير الحق فيها: { وما قتلوه وما صلبوه ، ولكن شبه لهم ، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه؛ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن . وما قتلوه يقينًا . بل رفعه الله إليه ، وكان الله عزيزًا حكيمًا } . . إن قضية قتل عيسى عليه السلام وصلبه ، قضية يخبط فيها اليهود - كما يخبط فيها النصارى بالظنون - فاليهود يقولون: إنهم قتلوه ويسخرون من قوله: إنه رسول الله ، فيقررون له هذه الصفة على سبيل السخرية! والنصارى يقولون: إنه صلب ودفن ، ولكنه قام بعد ثلاثة أيام . و « التاريخ » يسكت عن مولد المسيح ونهايته كأن لم تكن له في حساب!
وما من أحد من هؤلاء أو هؤلاء يقول ما يقول عن يقين . . فلقد تتابعت الأحداث سراعًا؛ وتضاربت الروايات وتداخلت في تلك الفترة بحيث يصعب الاهتداء فيها إلى يقين . . إلا ما يقصه رب العالمين . .
والأناجيل الأربعة التي تروي قصة القبض على المسيح وصلبه وموته ودفنه وقيامته . . كلها كتبت بعد فترة من عهد المسيح؛ كانت كلها اضطهادًا لديانته ولتلاميذه يتعذر معه تحقيق الأحداث في جو السرية والخوف والتشريد . . وقد كتبت معها أناجيل كثيرة . ولكن هذه الأناجيل الأربعة اختيرت قرب نهاية القرن الثاني للميلاد؛ واعتبرت رسمية ، واعترف بها؛ لأسباب ليست كلها فوق مستوى الشبهات!
ومن بين الأناجيل التي كتبت في فترة كتابة الأناجيل الكثيرة: إنجيل برنابا .