قال تعالى في سورة الأحزاب: { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا 22} مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا {23} لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا {24} وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا {25} وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا {26} وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا {27}
وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ فِي إِيمَانِهِم الأحزابَ ، يُحْدِقُونَ بالمدِينةِ ، قَالُوا: هَذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الابتلاءِ والاختبار وَالامتِحَانِ بالشَّدَائِدِ ، الذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ القَرِيبُ . وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ في النَّصْرِ والثَّوَابِ ، كَمَا صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ في الابتِلاءِ والاخْتِبَارِ ، وَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلا صَبْرًا عَلى البَلاءِ ، وَتَصْدِيقًا بِتَحْقِيقِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَتَسليمًا لِلقَضَاءِ .
( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعَالى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وَزَلزلوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ) .
لَمَّا ذَكَر اللهُ تَعَالى أَنَّ المُنَافِقينَ نَقَضٌوا العَهْدَ ، وَصَفَ المُؤمنينَ بأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى المُحَافَظَةِ عَلَى العَهْدِ وَالمِيثَاق ، وَأَنَّ مِنْهُمْ رِجَالًا أَوْفُوا بِمَا عَاهَدُوا الله عَلَيهِ مِنَ الصَّبْرِ في الشِّدَّةِ وَالبَأْسَاءِ ، فَاسْتُشْهِدَ بَعْضُهُمْ في بَدْرٍ ، وَبَعْضُهُمْ اسْتُشْهِدَ فِي أُحُدٍ ، وَبَعْضُهُمْ لَقِيَ وَجْهَ رَبِّهِ فِي غَيرِ هذِينِ المَوْقِفَينِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَضَى عَلَى الوَفَاءِ للهِ بِالعَهْدِ ، وَمَا غَيَّرُوا وَمَا بَدَّلُوا .
( رُوِيَ أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنسِ بْنِ النَّصْرِ الذِي قُتِلَ يَوْمَ أَحُدٍِ ، وَكَانَ غَابَ عَنْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ ، فَقَالَ: لَئِنْ أَرَاني الله تَعَالَى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ، فِيمَا بَعدُ ، لَيَرَينَّ اللهُ تَعَالى مَا أصْنَعُ ) . ( وَقِيلَ إِنَّها نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَحَمْزَةُ بَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَبَتُوا وَقَاتَلُوا حَتى يُسْتَشْهَدُوا ) .
وَاللهُ تَعَالَى يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالخَوْفِ وَالزَّلْزَلَةِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَيُظْهِرَ أَمْرَ كُلٍّ مِنْهُما جَلِيًّا وَاضِحًا ، فَيَجْزِي أَهْلَ الصِّدْقِ بِصِدْقِهِمْ بِما عَاهَدُوا الله عَلَيهِ ، وَيُعَذِّبَ المَنَافِقِينَ النَّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ ، المُخَالِفِينَ لأَوِامِرِ رَبِّهِمْ ، إِذا اسْتَمَرُّوا عَلى نِفَاقِهِمْ ، حَتَّى يَلْقَوْهُ ، أَمَّا إِذا تَابُوا وَعِمِلُوا صَالِحًا فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ سَيِّئَاتٍ وَآثامٍ ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ ، وَرَحْمَتُهُ لِعِبَادِهِ هِيَ الغَالِبَةُ لِغَضَبِهِ .
وَرَدَّ اللهُ المُشْرِكينَ ، مِنْ قَرَيْشٍ وَغَطْفَانَ وَأسَدٍ وسُلَيْمٍ ، بِغَيْظِهِمْ لِقْوتِ مَا أَمَلُوهُ مِنَ الظَّفَرِ بِمُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ ، وَالفَوْزِ بالغَنائِمِ ، وَلَمْ يَحْتَجِ المُؤْمِنُونَ إِلى مُنَازَلَتِهِمْ لإِجْبَارِهِمْ عَلَى الانْسِحَابِ ، وَإِنَّما سَلَّطَ الله عَلَيهِمْ رِيحًا ، وَأْرْسَلَ عَلَيهِمْ مَلائِكَتَهُ يُلْقُونَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَانْسَحَبُوا مَخْذُولِينَ مَفْلُولِينَ فَكَفَى اللهُ المُؤْمِنينَ شَرَّ القِتالِ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ ، وَهزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ . وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، لاَ يُغْلَبُ وَلاَ يُضَامُ . لَمَّا قَدِمَتِ الأَحْزَابُ إٍِلى المَدِينةِ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَبَيْنَ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَهْدٌ وَمُوَادَعَةٌ ، فَجَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ - زَعيمُ يَهُودِ بَني النَّضِيرِ - وَكَانَ مَعَ قَوْمِهِ مَعَ الأحْزاب ، - إٍِلى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمُشَارَكَةِ الأَحْزَابِ فِي مُحَارَبَةِ المُسْلِميِنَ ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمينَ . وَلَمَّا هَزَمَ الله الأَحْزَابَ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَسيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُعاقِبَهُمْ عَلَى غَدْرِهِمْ ، وَنَقْضِهِمْ العَهْدَ . وَبَعْدَ حَرْبٍ دَامَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا اضْطَرُّوا إِلى النُّزُولِ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ ، فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللهِ - وَكَانَ فِي المَدِينةِ يَشْتَكِي مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ - فَحَكَمْ سَعْدٌ بِأَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالأَمْوالُ .وَلِذَلكَ قَالَ اللهُ تَعَالى: إِنَّهُ قَذَفَ فِي قُلُوبِ بَنِي قُرَيْظَةَ الرُّعْبَ ( الذِينَ ظَاهَرُوا الأحْزَابَ مِنْ أَهلِ الكِتَابِ ) ، وَأْنْزَلَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ ( صَيَاصِيهِمْ ) عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ ، فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ فَرِيقًا ، وَأَسَرُوا فَرِيقًا .وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤمِنينَ أَرْضَ بَني قُرَيَْةَ ، وَنَخِيلَهُمْ ، وَمَزارِعَهُمْ ، وَأَمْوَالَهُمْ ، وَمَوَاشِيَهُمْ ، وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤْمنينَ الأَرَاضيَ التي فَتَحُوها فِيما بَعْدُ ، مِنْ أَراضي اليَهودِ والمُشْرِكِينَ وَغَيرِهم ، في الجَزِيرةِ العَرَبيَّةِ وَخَارِجِها ، وَهِيَ أراضٍ لَمْ يَسْبَقْ لِلمْؤمِنينَ أَنْ وطِئَتْها أَقْدَامُهُمْ مِنْ قبلُ ، واللهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلى ذَلِكَ ، فَلا يَتَعَذَّرُ عَليهِ شيءٌ ..
لقد كان الهول الذي واجهه المسلمون في هذا الحادث من الضخامة؛ وكان الكرب الذي واجهوه من الشدة؛ وكان الفزع الذي لقوه من العنف ، بحيث زلزلهم زلزالًا شديدًا ، كما قال عنهم أصدق القائلين: { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا } . .لقد كانوا ناسًا من البشر . وللبشر طاقة . لا يكلفهم الله ما فوقها . وعلى الرغم من ثقتهم بنصر الله في النهاية؛ وبشارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم ، تلك البشارة التي تتجاوز الموقف كله إلى فتوح اليمن والشام والمغرب والمشرق . . على الرغم من هذا كله ، فإن الهول الذي كان حاضرًا يواجههم كان يزلزلهم ويزعجهم ويكرب أنفاسهم .
ومما يصور هذه الحالة أبلغ تصوير خبر حذيفة . « والرسول - صلى الله عليه وسلم - يحس حالة أصحابه ، ويرى نفوسهم من داخلها ، فيقول: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع . يشرط له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجعة . أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة » . ومع هذا الشرط بالرجعة ، ومع الدعاء المضمون بالرفقة مع رسول الله في الجنة ، فإن أحدًا لا يلبي النداء . فإذا عين بالاسم حذيفة قال: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني! . . ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة . .
ولكن كان إلى جانب الزلزلة ، وزوغان الأبصار ، وكرب الأنفاس . . كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله؛ والإدراك الذي لا يضل عن سنن الله؛ والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن؛ وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها . ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سببًا في انتظار النصر . ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب } وها هم أولاء يزلزلون . فنصر الله إذن منهم قريب! ومن ثم قالوا: { هذا ما وعدنا الله ورسوله . وصدق الله ورسوله } . . { وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا }
{ هذا ما وعدنا الله ورسوله } . . هذا الهول ، وهذا الكرب ، وهذه الزلزلة ، وهذا الضيق . وعدنا عليه النصر . . فلا بد أن يجيء النصر: { وصدق الله ورسوله } . . صدق الله ورسوله في الأمارة وصدق الله ورسوله في دلالتها . . ومن ثم اطمأنت قلوبهم لنصر الله ووعد الله: { وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا } . .لقد كانوا ناسًا من البشر ، لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر ، وضعف البشر . وليس مطلوبًا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري؛ ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس؛ ويفقدوا خصائصه ومميزاته . فلهذا خلقهم الله . خلقهم ليبقوا بشرًا ، ولا يتحولوا جنسًا آخر . لا ملائكة ولا شياطين ، ولا بهيمة ولا حجرًا . . كانوا ناسًا من البشر يفزعون ، ويضيقون بالشدة ، ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة . ولكنهم كانوا مع هذا مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله؛ وتمنعهم من السقوط؛ وتجدد فيهم الأمل ، وتحرسهم من القنوط . . وكانوا بهذا وذاك نموذجًا فريدًا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير .وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور . علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرًا ، لم يتخلوا عن طبيعة البشر ، بما فيها من قوة وضعف . وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان ، في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء .وحين نرانا ضعفنا مرة ، أو زلزلنا مرة ، أو فزعنا مرة ، أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق . . فعلينا ألا نيأس من أنفسنا ، وألا نهلع ونحسب أننا هلكنا؛ أو أننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبدًا! ولكن علينا في الوقت ذاته ألا نقف إلى جوار ضعفنا لأنه من فطرتنا البشرية! ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا! هنالك العروة الوثقى . عروة السماء . وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة ، ونسترد الثقة والطمأنينة ، ونتخذ من الزلزال بشيرًا بالنصر . فنثبت ونستقر ، ونقوى ونطمئن ، ونسير في الطريق . .وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام . النموذج الذي يذكر عنه القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلائه وجهاده ، وثباته على عهده مع الله ، فمنهم من لقيه ، ومنهم من ينتظر أن يلقاه: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر . وما بدلوا تبديلًا } هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه . نموذج الذين عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار . ثم ولم يوفوا بعهد الله: { وكان عهد الله مسؤولًا } . .روى الإمام أحمد بإسناده عن ثابت قال: « عمي أنس بن النضر رضي الله عنه سميت به لم يشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ، فشق عليه ، وقال: أول مشهد شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غبت عنه! لئن أراني الله تعالى مشهدًا فيما بعد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله عز وجل ما أصنع .قال: فهاب أن يقول غيرها . فشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد . فاستقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال له أنس رضي الله عنه يا أبا عمرو . أين واهًا لريح الجنة! إني أجده دون أحد . قال: فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية . فقالت أخته عمتي الرُّبيِّع ابنة النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه . قال: فنزلت هذه الآية: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . . الخ } قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه رضي الله عنهم . ( ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة ) . وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان ، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق . لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن.
ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء ، وعاقبة النقض والوفاء؛ وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله: { ليجزي الله الصادقين بصدقهم ، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم . إن الله كان غفورًا رحيمًا}
ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد ليرد الأمر كله إلى الله ، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع . فليس شيء منها عبثًا ولا مصادفة . إنما تقع وفق حكمة مقدرة ، وتدبير قاصد . وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب . وفيها تتجلى رحمة الله بعباده . ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر: { إن الله كان غفورًا رحيمًا} ويختم الحديث عن الحدث الضخم بعاقبته التي تصدق ظن المؤمنين بربهم؛ وضلال المنافقين والمرجفين وخطأ تصوراتهم؛ وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويًا عزيزًا } . .وقد بدأت المعركة ، وسارت في طريقها ، وانتهت إلى نهايتها ، وزمامها في يد الله ، يصرفها كيف يشاء . وأثبت النص القرآني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره . فأسند إلى الله تعالى إسنادًا مباشرًا كل ما تم من الأحداث والعواقب ، تقريرًا لهذه الحقيقة ، وتثبيتًا لها في القلوب؛ وإيضاحًا للتصور الإسلامي الصحيح .
ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم . بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا .وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وأرضًا لم تطؤوها . وكان الله على كل شيء قديرًا } . .فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين . .
إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة . وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطًا عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدوًا ، ولا يمدوا يدًا بأذى .ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول . وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة . كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة . فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه!
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إسلام حبرهم وعالمهم عبدالله بن سلام . ذلك أن الله شرح صدره للإسلام فأسلم وأمر أهل بيته فأسلموا معه . ولكنه إن هو أعلن إسلامه خاف أن تتقول عليه يهود . فطلب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسألهم عنه قبل أن يخبرهم بإسلامه! فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا . فخرج عندئذ عبدالله بن سلام إليهم ، وطلب منهم أن يؤمنوا بما آمن به . فوقعوا فيه ، وقالوا قالة السوء ، وحذروا منه أحياء اليهود . وأحسوا بالخطر الحقيقي على كيانهم الديني والسياسي . فاعتزموا الكيد لمحمد - صلى الله عليه وسلم - كيدًا لا هوادة فيه .ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود!
لقد بدأت في أول الأمر حربًا باردة ، بتعبير أيامنا هذه . بدأت حرب دعاية ضد محمد عليه الصلاة والسلام وضد الإسلام . واتخدوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله . اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة . واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض . بين الأوس والخزرج مرة ، وبين الأنصار والمهاجرين مرة . واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين . واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين . . وأخيرًا أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين ، كالذي حدث في غزوة الأحزاب . .
وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع ، وبني النضير ، وبني قريظة . وكان لكل منها شأن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع المسلمين .فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود ، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته ، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم .
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن إسحاق ما كان من أمرهم قال:
وكان « من حديث بني قينقاع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال: يا معشر يهود ، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم » قالوا: يا محمد ، إنك ترى أنا قومك ، لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة . إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس .
وذكر ابن هشام عن طريق عبدالله بن جعفر قال:
كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها ، فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوءتها ، فضحكوا بها ، فصاحت . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديًا ، وشدت يهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع .
وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال: « فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلوا على حكمه ، فقام عبدالله بن أبيَّ بن سلول ، حين أمكنه الله منهم ، فقال: يا محمد ، أحسن في مواليّ وكانوا حلفاء الخزرج قال: فأبطأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد أحسن في مواليّ . قال: فأعرض عنه . فأدخل يده في جيب درع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلني . وغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رأوا لوجهه ظللًا . ثم قال: » ويحك! أرسلني . « قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ . أربع مائة حاسر . وثلاث مائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود . تحصدهم في غداة واحدة . إني والله امرؤ أخشى الدوائر . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم لك» .
وكان عبدالله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه . فقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة ، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح .
وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة .وأما بنو النضير ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم . فلما أتاهم قالوا: نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه . ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة ، فألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعًا إلى المدينة . وأمر بالتهيؤ لحربهم . فتحصنوا منه في الحصون . وأرسل إليهم عبدالله ابن أبي ابن سلول ( رأس النفاق ) أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم . إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم . وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال . وسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم ، ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح . ففعل . فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام . ومن أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب . . هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب .
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة . وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبًا على المسلمين مع المشركين ، بتحريض من زعماء بني النضير ، وحيي بن أخطب على رأسهم . وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة .