فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 139

وعَنْ ذِي مِخْمَرِ ابْنِ أَخِي النَّجَاشِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ: تُصَالِحُونَ الرُّومَ عَشْرَ سِنِينَ صُلْحًا آمِنًا يَفُونَ سَنَتَيْنِ وَيَغْدِرُونَ فِي الثَّالِثَةِ ، أَوْ يَفُونَ أَرْبَعًا وَيَغْدِرُونَ فِي الْخَامِسَةِ ، فَيَنْزِلُونَ جَيْشًا مِنْكُمْ وَفِي مَدِينَتِهِمْ فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ وَوَرَائِهِمْ فَتَقْتُلُونَ ذَلِكَ الْعَدُوَّ فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ فَتَنْصَرِفُونَ بِمَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ فَتَنْزِلُونَ بِمَرْجِ ذِي تُلُولٍ ، فَيَقُولُ قَائِلُكُمْ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَلَبَ ، وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: الصَّلِيبُ غَلَبَ فَيَتَقَاوَلُونَهَا سَاعَةً ، فَيَغْضَبُ الْمُسْلِمُونَ وَصَلِيبُهُمْ مِنْهُمْ غَيْرُ جَدِّ بَعِيدٍ ، فَيَثُورُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى صَلِيبِهِمْ فَيَدُقُّهُ وَيَثِبُونَ إِلَى كَاسِرِ صَلِيبِهِمْ فَيَضْرِبُونَ عُنُقَهُ ، فَتَثُورُ تِلْكَ الْعِصَابَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ وَيَثُورُ الرُّومُ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتُلُونَ تِلْكَ الْعِصَابَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُسْتَشْهَدُونَ فَيَأْتُونَ مَلِكَهُمْ ، فَيَقُولُونَ: قَدْ كَفَيْنَاكَ حَرَّ الْحَرْبِ وَبَأْسَهُمْ فَمَاذَا تَنْتَظِرُ فَيَجْمَعُ لَكُمْ قَدْرَ حَمْلِ امْرَأَةٍ ، ثُمَّ يَأْتِيكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ رَايَةً ، تَحْتَ كُلِّ رَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا" [1] "

وعَنْ ذِي مِخْمَرٍ ابْنِ أَخِي النَّجَاشِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: تَصْطَلِحُونَ أَنْتُمْ وَالرُّومُ صُلْحًا آمِنًا عَشْرَ سِنِينَ ، ثُمَّ يَغْدِرُونَكُمْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ، أَوِ الْخَامِسَةِ فَيَنْزِلُ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ جَيْشٌ مِنْكُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ ثُمَّ تَغْزُونَ مَعَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِهِمْ ، فَيَرْجِعُونَ سَالِمِينَ غَانِمِينَ حَتَّى تَنْزِلُوا فِي مَرْجِ ذِي تُلُولٍ ، فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: غَلَبَ الصَّلِيبُ ، وَيَقُولُ قَائِلُكُمْ: غَلَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمَا وَالصَّلِيبُ مِنْهُمْ غَيْرُ بَعِيدٍ فَيَقُومُ صَاحِبُكُمْ إِلَى الصَّلِيبِ فَيَكْسِرُهُ ، فَيَقُومُونَ إِلَيْهِ فَيَقْتُلُونَهُ فَتَنْهَضُونَ إِلَى سِلاحِكُمْ ، وَيَنْهَضُونَ إِلَى سِلاحِهِمْ فَيَهْزِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تِلْكَ الْعِصَابَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلاَ يَنْجُو مِنْهُمْ مِخْمَرٌ فَيَرْجِعُونَ إِلَى مَلِكِهِمْ ، فَيَقُولُونَ: قَدْ كَفَيْنَاكَ حَرْبَ الْعَرَبِ وَبَأْسَهُمْ ، فَيَجْمَعُونَ لَكُمْ قَدْرَ حَمْلِ الْمَرْأَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ يُقْبِلُونَ إِلَيْكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: فَتِلْكَ الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى" [2] "

الباب الخامس

متى نتصر عليهم ؟

الله تعالى قد وعدنا بالنصر عليهم ، بلا شك ولا ريب ، ولكن هذا النصر له ثمن وله شروط ، لا بد من تحققها جميعًا حتى يتم النصر المؤزر عليهم ، وهذه الشروط قد ذكرت في القرآن الكريم ، وفي السنَّة النبوية المطهرة ، فلا بد من معرفتها ، حتى نأخذ بها ، كي ننتصر على أعدائنا جميعهم ، وهذه هي بالتفصيل:

1.نصرةُ دين الله:

قال تعالى في سورة محمد {: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }

يَحُثَّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلَى الجِهَادِ ، وَيُعْلِمُهُمْ بَأنَّه يَنْصُرُهُمْ إذا أخْلَصُوا النيَّةَ في قِتَالِ أعدائِهِ ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُمْ إذا نَصَرُوا دِينَ اللهِ نَصَرَهُمُ اللهُ عَلَى أعْدائِهِمْ ، وثَّبتَ أقْدَامَهُمْ في الحَرْبِ وَفي الدِّينِ ..

وكيف ينصر المؤمنون الله ، حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت؟

إن لله في نفوسهم أن تتجرد له ، وألا تشرك به شيئًا ، شركًا ظاهرًا أو خفيًا ، وألا تستبقي فيها معه أحدًا ولا شيئًا ، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى ، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها ، وسرها وعلانيتها ، ونشاطها كله وخلجاتها . . فهذا نصر الله في ذوات النفوس .

وإن لله شريعة ومنهاجًا للحياة ، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للوجود كله وللحياة . ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه ، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء ، فهذا نصر الله في واقع الحياة .ونقف لحظة أمام قوله تعالى: { والذين قتلوا في سبيل الله } . . وقوله: { إن تنصروا الله } . .وفي كلتا الحالتين . حالة القتل . وحالة النصرة . يشترط أن يكون هذا لله وفي سبيل الله . وهي لفتة بديهية ، ولكن كثيرًا من الغبش يغطي عليها عندما تنحرف العقيدة في بعض الأجيال . وعندما تمتهن كلمات الشهادة والشهداء والجهاد وترخص ، وتنحرف عن معناها الوحيد القويم .

إنه لا جهاد ، ولا شهادة ، ولا جنة ، إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده ، والموت في سبيله وحده ، والنصرة له وحده ، في ذات النفس وفي منهج الحياة .

لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا . وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم ، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء .

عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء . أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.وليس هنالك من راية أخرى ، أو هدف آخر ، يجاهد في سبيله من يجاهد ، ويستشهد دونه من يستشهد ، فيحق له وعد الله بالجنة . إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف . من كل ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات!

ويحسن أن يدرك أصحاب الدعوة هذه اللفتة البديهية ، وأن يخلصوها في نفوسهم من الشوائب التي تعلق بها من منطق البيئة وتصور الأجيال المنحرفة ، وألا يلبسوا برايتهم راية ، ولا يخلطوا بتصورهم تصورًا غريبًا على طبيعة العقيدة .لا جهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا . العليا في النفس والضمير . والعليا في الخلق والسلوك . والعليا في الأوضاع والنظم . والعليا في العلاقات والارتباطات في كل أنحاء الحياة . وما عدا هذا فليس لله . ولكن للشيطان . وفيما عدا هذا ليست هناك شهادة ولا استشهاد .وفيما عدا هذا ليس هنالك جنة ولا نصر من عند الله ولا تثبيت للأقدام . وإنما هو الغبش وسوء التصور والانحراف .وإذا عز على غير أصحاب الدعوة لله أن يتخلصوا من هذا الغبش وسوء التصور والانحراف ، فلا أقل من أن يخلص الدعاة إلى الله أنفسهم ومشاعرهم وتصورهم من منطق البيئة الذي لا يتفق مع البديهية الأولى في شرط الله . .

وبعد فهذا شرط الله على الذين آمنوا . فأما شرطه لهم فهو النصر وتثبيت الأقدام . وعد الله لا يخلفه . فإذا تخلف فترة؛ فهو أجل مقدر لحكمة أخرى تتحقق مع تحقق النصر والتثبيت . وذلك حين يصح أن المؤمنين وفوا بالشرط ثم تخلف عنهم - فترة - نصر الله .

ثم نقف لحظة أمام لفتة خاصة في التعبير: { ينصركم . ويثبت أقدامكم } . .

إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر ، ويكون سببًا فيه . وهذا صحيح . ولكن تأخير ذكره في العبارة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت . معنى التثبيت على النصر وتكاليفه . فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان ، وبين الحق والضلال . فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة . للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر . وفي عدم التراخي بعده والتهاون . وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء . ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء . وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر . ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن . والعلم لله . { والذين كفروا فتعسًا لهم وأضل أعمالهم } . .وذلك عكس النصر وتثبيت الأقدام . فالدعاء بالتعس قضاء من الله سبحانه بالتعاسة والخيبة والخذلان وإضلال الأعمال ضياع بعد ذلك وفناء . .

{ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم } . .وهو تصوير لما يعتمل في قلوبهم ويختلج في نفوسهم من الكراهية لما أنزل الله من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه . وهذا هو الذي يدفع بهم إلى الكفر والعناد والخصومة والملاحاة . وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة التي تكره بطبعها ذلك النهج السليم القويم ، وتصادمه من داخلها ، بحكم مغايرة طبيعتها لطبيعته . وهي نفوس يلتقي بها الإنسان كثيرًا في كل زمان وفي كل مكان ، ويحسن منها النفرة والكراهية لهذا الدين وما يتصل به؛ حتى إنها لتفزع من مجرد ذكره كما لو كانت قد لذعتها العقارب! وتتجنب أن يجيء ذكره أو الإشارة إليه فيما تسمع حولها من حديث! ولعلنا نشاهد في هذه الأيام حالة من هذا الطراز لا تخفى على الملاحظة!

وكان جزاء هذه الكراهية لما أنزل الله ، أن أحبط الله أعمالهم . وإحباط الأعمال تعبير تصوري على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير . فالحبوط انتفاخ بطون الماشية عند أكلها نوعًا من المرعى سام . ينتهي بها إلى الموت والهلاك . وكذلك انتفخت أعمالهم وورمت وانبعجت . . ثم انتهت إلى الهلاك والضياع! إنها صورة وحركة ، ونهاية مطابقة لحال من كرهوا ما أنزل الله ثم تعاجبوا بالأعمال الضخام .

المنتفخة كبطون الأنعام ، حين ترعى من ذلك النبت السام!

ــــــــــــــ

(1) - الآحاد والمثاني (2662) صحيح

(2) - الآحاد والمثاني ( 2663) والمستدرك للحاكم (8298) و المعجم الكبير للطبراني - (ج 4 / ص 314) (4112-4113) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت