فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 139

قال تعالى: { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) } [البقرة/99-101]

يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى لِنَبيِّهِ الكَرِيمِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ ، جَلَّ شَأنُهُ ، أَنْزَلَ إِليهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ، تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ، وَتِلْكَ الآيَاتُ هِي مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللهِ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ اليَهُودِ ، وَمَكْنُونَاتِ سَرَائِرِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ ، وَمَا حَرَّفَهُ أَوَائِلُهُمْ وَأَوَاخِرُهُمْ ، وَمَا بَدَّلُوهُ مِنَ الأَحْكَامِ التِي كَانَتْ فِي التَّورَاةِ ، وَمَا يَكْفُرُ بِهذَهِ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ ، وَلاَ يَجْحَدُ بِهَا إلاّ الفَاسِقُونَ الخَارِجُونَ عَن الطَّاعَةِ ، الذِينَ استَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى حَسَدًا لِلنَّبِيِّ ، وَعِنَادًا وَمُكَابَرَةً مِنْهُمْ .

وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -: وَاللهِ ، مَا عَهدَ إلينَا في مُحَمَّدٍ ، وَمَا أَخَذَ عَلَينَا مِيثَاقًا . فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ . ( وَقَالَ مُفَسِرُونَ: إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي المَدِينة ) .

وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَقَضَهُ ( نَبَذَهُ ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ .

فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - بِالقُرآنِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى ، وَهُوَ يُصَدِّقُ التَّورَاةَ التي بَيْنَ أيدِيهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ أصُولِ التَّوحيدِ ، وَقَوَاعِدِ التَّشْرِيعِ ، وَأخْبَارِ الأمَمِ الغَابِرَةِ ، نَبََذَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ التَّورَاةَ وَأَهْمَلُوهَا ، وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِمَا فِيها ، مَعَ أنَّها حَوَتْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ ، وَبَشَّرَتْ بِرِسَالَتِهِ ، وَلَكِنَّهُمْ كَتَمُوا ذلِكَ وَجَحَدُوهُ ، وَاليَهُودُ حِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ، وَبِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِلتَّورَاةِ ، يَكُونُونَ قَدْ نَبَذُوا التَّورَاةَ التِي جَاءَ فِيها: إنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولًا لِلنَّاسِ مِنْ وُلْدِ إسْمَاعِيلَ .

لقد كشف القرآن هنا عن علة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البينات التي أنزلها الله . . إنه الفسوق وانحراف الفطرة . فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات .

وهي تفرض نفسها فرضًا على القلب المستقيم . فإذا كفر بها اليهود - أو غيرهم - فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة ، ولكن لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون .

ثم يلتفت إلى المسلمين - وإلى الناس عامة - منددًا بهؤلاء اليهود ، كاشفًا عن سمة من سماتهم الوبيئة . . إنهم جماعة مفككة الأهواء - رغم تعصبها الذميم - فهم لا يجتمعون على رأي ، ولا يثبتون على عهد ، ولا يستمسكون بعروة . ومع أنهم متعصبون لأنفسهم وجنسهم ، يكرهون أن يمنح الله شيئًا من فضله لسواهم ، إلا أنهم - مع هذا - لا يستمسكون بوحدة ، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض ، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تند منهم فرقة فتنقض ما أبرموا ، وتخرج على ما أجمعوا: { أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم لا يؤمنون } . .

وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد ، وأخيرًا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة؛ وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة ، بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه؛ وأول من عاب دينه ، وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم ، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . .

وبئس هي من خلة في اليهود! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض ، يعلنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله « المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم » . يسعى بذمتهم أدناهم ، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد ، ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم ، ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول: إن عبدًا أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر: إن الله عظم الوفاء ، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . . فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . . وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

{ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ، نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } . .

وكان هذا مظهرًا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه . فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم ، أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه ، وأن ينصروه ويحترموه . فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، خاسوا بذلك العهد ، ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم ، يستوي في هذا النبذ كتاب الله الذي معهم ، والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه ، والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضًا!

وفي الآية ما فيها من سخرية خفية ، يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم .

فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهومًا! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب . هم الذين عرفوا الرسالات والرسل . هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور . . وماذا صنعوا؟ إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم! والمقصود طبعًا أنهم جحدوه وتركوا العمل به ، وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم . ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس؛ ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة ، تصور هذا التصرف تصويرًا بشعًا زريًا ، ينضح بالكنود والجحود ، ويتسم بالغلظة والحماقة ، ويفيض بسوء الأدب والقحة؛ ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة . حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور . .

لقد كانت هذه الأمة تتلقى هذا القرآن لتقرر - وفق توجيهاته وتقريراته - خطتها وحركتها ، ولتتخذ - وفق هذه التوجيهات والتقريرات - مواقفها من الناس جميعًا . فهذا الكتاب كان هو موجهها ومحركها ورائدها ومرشدها . . ومن ثم كانت تَغلب ولا تُغلب ، لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربانية المباشرة؛ مذ كان نبيها يقودها وفق الإرشادات الربانية العلوية . .

وهذه الإرشادات الربانية ما تزال؛ والتقريرات التي تضمنها ذلك الكتاب الكريم ما تزال . والذين يحملون دعوة الإسلام اليوم وغدًا خليقون أن يتلقوا هذه التقريرات وتلك الإرشادات كأنهم يخاطبون بها اللحظة؛ ليقرروا على ضوئها مواقفهم من شتى طوائف الناس؛ ومن شتى المذاهب والمعتقدات والآراء ، ومن شتى الأوضاع والأنظمة وشتى القيم والموازين . . اليوم وغدًا وإلى آخر الزمان . .

{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا . . . }

إن صيغة العبارة تحتمل أن تكون خطابًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن تكون كذلك خطابًا عاما خرج مخرج العموم ، لأنه يتضمن أمرًا ظاهرًا مكشوفًا يجده كل إنسان . وهي صيغة لها نظائرها في الأسلوب العربي الذي نزل به القرآن الكريم . . وهي في كلتا الحالتين تفيد معناها الظاهر الذي تؤديه . .

فإذا تقرر هذا فإن الأمر الذي يلفت النظر في صياغة العبارة هو تقديم اليهود على الذين أشركوا في صدد أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا؛ وأن شدة عداوتهم ظاهرة مكشوفة وأمر مقرر يراه كل من يرى ، ويجده كل من يتأمل!

نعم إن العطف بالواو في التعبير العربي يفيد الجمع بين الأمرين ولا يفيد تعقيبا ولا ترتيبًا ..

ولكن تقديم اليهود هنا ، حيث يقوم الظن بأنهم أقل عداوة للذين آمنوا من المشركين - بما أنهم أصلا أهل كتاب - يجعل لهذا التقديم شأنًا خاصًا غير المألوف من العطف بالواو في التعبير العربي! إنه - على الأقل - يوجه النظر إلى أن كونهم أهل كتاب لم يغير من الحقيقة الواقعة ، وهي أنهم كالذين أشركوا أشد عداوة للذين آمنوا! ونقول: إن هذا « على الأقل » . ولا ينفي هذا احتمال أن يكون المقصود هو تقديمهم في شدة العداء على الذين أشركوا . .

وحين يستأنس الإنسان في تفسير هذا التقرير الرباني بالواقع التاريخي المشهود منذ مولد الإسلام حتى اللحظة الحاضرة ، فإنه لا يتردد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائمًا أشد وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمدًا من عداء الذين أشركوا!

لقد واجه اليهود الإسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإسلام بالمدينة . وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمة . وتضمن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنها اليهود على الإسلام وعلى رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمة المسلمة في تاريخها الطويل؛ والتي لم تخبُ لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرنا ، وما تزال حتى اللحظة يتسعر أوارها في أرجاء الأرض جميعًا

لقد عقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة ، معاهدة تعايش مع اليهود؛ ودعاهم إلى الإسلام الذي يصدق ما بين أيديهم من التوراة . . ولكنهم لم يفوا بهذا العهد - شأنهم في هذا كشأنهم مع كل عهد قطعوه مع ربهم أو مع أنبيائهم من قبل ، حتى قال الله فيهم: { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون . أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم لا يؤمنون . ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } ولقد أضمروا العداء للإسلام والمسلمين منذ اليوم الأول الذي جمع الله فيه الأوس والخزرج على الإسلام ، فلم يعد لليهود في صفوفهم مدخل ولا مخرج ، ومنذ اليوم الذي تحددت فيه قيادة الأمة المسلمة وأمسك بزمامها محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تعد لليهود فرصة للتسلط!

ولقد استخدموا كل الأسلحة والوسائل التي تفتقت عنها عبقرية المكر اليهودية ، وأفادتها من قرون السبي في بابل ، والعبودية في مصر ، والذل في الدولة الرومانية .

ومع أن الإسلام قد وسعهم بعد ما ضاقت بهم الملل والنحل على مدار التاريخ ، فإنهم ردوا للإسلام جميله عليهم أقبح الكيد وألأم المكر منذ اليوم الأول .

ولقد ألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية المشركة؛ وراحوا يجمعون القبائل المتفرقة لحرب الجماعة المسلمة: { ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } ولما غلبهم الإسلام بقوة الحق - يوم أن كان الناس مسلمين - استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه - لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه - ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين ، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار . ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض . . حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإسلام في كل شبر على وجه الأرض؛ وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة ، وهم الذين يقيمون الأوضاع ويصنعون الأبطال الذين يتسمون بأسماء المسلمين ، ويشنونها حربًا صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدين!

وصدق الله العظيم: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } . .

إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة؛ وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم؛ وبين قريش في مكة ، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة . . يهودي . .

والذي ألب العوام ، وجمع الشراذم ، وأطلق الشائعات ، في فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاها من النكبات . . يهودي . .

والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي الروايات والسير . . يهودي . .

ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال « الدستور » بها في عهد السلطان عبد الحميد ، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي « البطل » أتاتورك . . يهودي . .

وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود!

ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية . . يهودي . . ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي . . ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط يهود!

ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا ، وأعرض مجالا ، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا . . إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها . وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول . وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية .. ( التي تعد الماركسية مجرد فرع لها ) وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية ، التي سنتعرض لها في الفقرة التالية .

فإذا سمعنا الله - سبحانه - يقول: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا }

ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا . . ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي ، فإننا ندرك طرفًا من حكمة الله في تقديم اليهود على الذين أشركوا!

إنهم هذه الجبلة النكدة الشريرة ، التي ينغل الحقد في صدورها على الإسلام ، وعلى نبي الإسلام ، فيحذر الله نبيه وأهل دينه منها . . ولم يغلب هذه الجبلة النكدة الشريرة إلا الإسلام وأهله يوم أن كانوا أهله! . . ولن يخلص العالم من هذه الجبلة النكدة إلا الإسلام يوم يفيء أهله إليه .

وقال تعالى: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) } [الأنفال/55-57]

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ ، زَعِيمُهُمْ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ ، وَهُوَ مِنْ طَوَاغِيتِ الكُفْرِ وَالكُرْهِ لِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَلِلإِسْلاَمِ ، وَفِيهَا يُطَمْئِنُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى أَنَّهُ آمِنٌ مِنْ عَاقِبَةِ كَيْدِهِمْ ، وَيُبَيِّنُ فِيهَا مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ الرَّسُولُ مَعَ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الخَوَنَةِ المُتَرَبِّصِينَ .

يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ شَرَّ المَخْلُوقَاتِ التِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ ، فِي حُكْمِ اللهِ وَعَدْلِهِ ، هُمُ الكَافِرُونَ الذِينَ اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ صِفَتَانِ:

( أ ) - الإِصْرَارُ عَلَى الكُفْرِ ، وَالرُّسُوخُ فِيهِ حَتَّى لاَ يُرْجَى لَهُمْ إِيمَانٌ .

( ب ) - نَقْضُ العَهْدِ .

وَكَانَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ هِجْرَتِهِ إلَى المَدِينَةِ ، عَقَدَ مَعَ اليَهُودِ عُقُودًا ، أَمَّنَهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَدِينِهِمْ ، فَنَقَضُوا هَذِهِ العُهُودَ ، وَتَآمَرُوا عَلَى الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ .

الذِينَ كُلَّمَا عَاهُدُوا عَهْدًا نَقَضُوهُ ، وَكُلَّمَا أَكَّدُوا بِالأَيْمَانِ نَكَثُوهُ ، وَهُمْ لاَ يَخَافُونَ عِقَابَ اللهِ عَلَى شَيءٍ مِنَ الآثَامِ ارْتَكَبُوهُ .

فَإِذَا مَا لَقِيتَهُم يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ فِي الحَرْبِ ، وَظَفِرْتَ بِهِمْ ، فَنَكِّلْ بِهِمْ ، وَأَثْخِنْ فِيهِمْ قَتْلًا ، لِيَخَافَ سِوَاهُمْ مِنَ الأَعْدَاءِ { فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ } ، وَليَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ ، لَعَلَّهُمْ يُحَاذِرُونَ أَنْ يَنْكُثُوا أَيْمَانَهُمْ ، وَيَخُونُوا عُهُودَهُمْ ، فَيَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ .

وَإِذَا خِفْتَ مِنْ قَوْمٍ عَاهَدْتَهُمْ ، خِيَانَةً وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ، وَأَعْلِمْهُمْ بِأَنَّكَ نَقَضْتَ عَهْدَهُمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ لاَ عَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ ، فَتَسْتَوِي أَنْتَ وَإِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ بِدُونِ خِدَاعٍ وَلاَ اسْتِخْفَاءٍ . وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الخِيَانَةُ مُوَجَّهَةً لِلْكُفَّارِ .

رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"ثَلاثٌ ، المُسْلِمُ وَالكَافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ: مَنْ عَاهَدْتَهُ فُوُفَّ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ، فَإِنَّمَا العَهْدُ للهِ ، وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَحمٌ فَصِلْهَا ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا . وَمَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى أَمَانَةٍ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا" ( رَوَاهُ البَيْهَقِي )

ولفظ { الدواب } وإن كان يشمل كل ما دب على الأرض ، فيشمل الأناسي فيما يشمل ، إلا أنه - كما أسلفنا - يلقي ظلًا خاصًا حين يطلق على الآدميين . . ظل البهيمة . . ثم يصبح هؤلاء الآدميون شر البهيمة التي تدب على الأرض! وهؤلاء هم الذين كفروا حتى بلغ بهم الكفر ألا يصير حالهم إلى الإيمان! وهم الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ولا يتقون الله في مرة!

وقد وردت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص . . قيل: إنهم بنو قريظة ، وقيل: إنهم بنو النضير وقيل: إنهم بنو قينقاع . وقيل: إنهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين . . والنص والواقع التاريخي كلاهما يحتمل أن يكونوا هؤلاء جميعًا . فلقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طائفة طائفة ، كما أنه قد تكرر نقض المشركين لعهودهم أيضًا . . والمهم أن نعلم أن هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها ، إلى حين نزول هذه الآيات . ولكن الحكم الصادر فيها ، المصور لطبيعة الناقضين للعهد يصور حالة دائمة ، ويقرر صفة ثابتة . .

فهؤلاء الذين كفروا ولجُّوا في الكفر { فهم لا يؤمنون } . . ففسدت بذلك فطرتهم ، وباتوا بذلك شر الدواب عند الله . هؤلاء الذين ينقضون كل عهد أبرموه ، فتجردوا بذلك من خصيصة إنسانية أخرى - خصيصة التقيد بالعهد - وانطلقوا من كل قيد ، كما تنطلق البهيمة ، لولا أن البهيمة مقيدة بضوابط فطرتها ، وهؤلاء لا ضابط لهم . فهم بذلك شر الدواب عند الله!

هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم . . جزاؤهم هو حرمانهم الأمن كما حرموا غيرهم الأمن؛ وجزاؤهم هو تخويفهم وتشريدهم ، والضرب على أيديهم بشدة لا ترهبهم وحدهم ، إنما ترهب من يتسامع بهم ممن وراءهم من أمثالهم ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده من المسلمين مأمورون - إذا التقوا بأمثال هؤلاء في القتال - أن يصنعوا بهم ذلك الصنيع: { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } . .

وإنه لتعبير عجيب ، يرسم صورة للأخذ المفزع ، والهول المرعب ، الذي يكفي السماع به للهرب والشرود . فما بال من يحل به هذا العذاب الرعيب؟ إنها الضربة المروّعة يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ بها هؤلاء الذين مردوا على نقض العهد ، وانطلقوا من ضوابط الإنسان ، ليؤمن المعسكر الإسلامي أولًا ، وليدمر هيبة الخارجين عليه أخيرًا؛ وليمنع كائنًا من كان أن يجرؤ على التفكير في الوقوف في وجه المد الإسلامي من قريب أو من بعيد ..

إنها طبيعة هذا المنهج التي يجب أن تستقر صورتها في قلوب العصبة المسلمة . إن هذا الدين لا بد له من هيبة ، ولا بد له من قوة ، ولا بد له من سطوة ، ولا بد له من الرعب الذي يزلزل الطواغيت حتى لا تقف للمد الإسلامي ، وهو ينطلق لتحرير « الإنسان » في « الأرض » من كل طاغوت . والذين يتصورون أن منهج هذا الدين هو مجرد الدعوة والتبليغ ، في وجه العقبات المادية من قوى الطاغوت ، هم ناس لا يعرفون شيئًا عن طبيعة هذا الدين!

وهذا هو الحكم الأول يتعلق بحالة نقض العهد فعلًا مع المعسكر الإسلامي؛ وما ينبغي أن يتبع في ضرب الناقضين للعهد وإرهابهم وإرهاب من وراءهم بالضربة القاصمة المروعة الهائلة .

فأما الحكم الثاني فيتعلق بحالة الخوف من نقض العهد وتوقع الخيانة؛ وذلك بظهور أفعال وأمارات تدل على أن القوم يهمون بنقض العهد فعلًا: { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء . إن الله لا يحب الخائنين } . .

إن الإسلام يعاهد ليصون عهده؛ فإذا خاف الخيانة من غيره نبذ العهد القائم جهرة وعلانية؛ ولم يخن ولم يغدر؛ ولم يغش ولم يخدع؛ وصارح الآخرين بأنه نفض يده من عهدهم . فليس بينه وبينهم أمان . . وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة ، وإلى آفاق من الأمن والطمأنينة . . إنه لا يبيت الآخرين بالهجوم الغادر الفاجر وهم آمنون مطمئنون إلى عهود ومواثيق لم تنقض ولم تنبذ؛ ولا يروّع الذين لم يأخذوا حذرهم حتى وهو يخشى الخيانة من جانبهم . . فأما بعد نبذ العهد فالحرب خدعة ، لأن كل خصم قد أخذ حذره؛ فإذا جازت الخدعة عليه فهو غير مغدور به إنما هو غافل! وكل وسائل الخدعة حينئذ مباحة لأنها ليست غادرة!

إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع؛ ويريد للبشرية أن تعف؛ لا يبيح الغدر في سبيل الغلب؛ وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد؛ ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت