قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) سورة آل عمران
يُعَنِّف اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ ، وَصَدِّهِمِ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى صَنِيعِهِمْ بِمَا خَالَفُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَيهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ ألاّ يَجْتَرِئُُوا عَلَى الكُفْرِ بِاللهِ وَبِآيَاتِهِ .
قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: لِمَ تَمْنَعُونَ المُؤْمِنِينَ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الإِيمَانِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى اللهِ ، وَتُكَّذِبُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَرِسَالَتِهِ ، كُفْرًا وَعِنَادًا ، وَكِبْرًا وَحَسَدًا ، وَتُلْقُونَ الشُّبُهَاتِ البَاطِلَةَ فِي قُلُوبِ الضُّعَفَاءِ مِنَ المُسْلِمِينَ بَغْيًا وَكَيْدًا لِلنَّبِيِّ؟ هَلْ تُرِيْدُونَ اعْوِجَاجَ الأمُورِ ، وَسِيَادَةَ الشَّرِّ وَالفَسَادِ فِي الأرْضِ؟ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ عَلَى صِحَّةِ مَا أقُولُ ، وَعَلَى صِدْقِ مَا جَاءَنِي مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لاَ يَغِيبُ عَنْ عِلْمِ اللهِ شَيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ صَدٍّ وَكُفْرٍ وَبَغْيٍ .
وأول ما يتركه هذا التنديد من أثر هو مجابهته أهل الكتاب بحقيقة موقفهم ، ووصفهم بصفتهم ، التي يدارونها بمظهر الإيمان والتدين ، بينما هم في حقيقتهم كفار . فهم يكفرون بآيات الله القرآنية . ومن يكفر بشيء من كتاب الله فقد كفر بالكتاب كله . ولو أنهم آمنوا بالنصيب الذي معهم لآمنوا بكل رسول جاء من عند الله بعد رسولهم . فحقيقة الدين واحدة . من عرفها عرف أن كل ما يجيء به الرسل من بعد حق ، وأوجب على نفسه الإسلام لله على أيديهم . . وهي حقيقة من شأنها أن تهزهم وأن تخوفهم عاقبة ما هم فيه .
ثم إن المخدوعين من الجماعة المسلمة بكون هؤلاء الناس أهل كتاب ، يسقط هذا الخداع عنهم ، وهم يرون الله - سبحانه - يعلن حقيقة أهل الكتاب هؤلاء ، ويدمغهم بالكفر الكامل الصريح . فلا تبقى بعد هذا ريبة لمستريب .
وهو - سبحانه - يهددهم بما يخلع القلوب: { والله شهيد على ما تعملون } . . { وما الله بغافل عما تعملون } . .
وهو تهديد رعيب ، حين يحس إنسان أن الله يشهد عمله . وأنه ليس بغافل عنه . بينما عمله هو الكفر والخداع والإفساد والتضليل!
ويسجل الله تعالى عليهم معرفتهم بالحق الذي يكفرون به ، ويصدون الناس عنه: { وأنتم شهداء }
مما يجزم بأنهم كانوا على يقين من صدق ما يكذبون به ، ومن صلاح ما يصدون الناس عنه . وهو أمر بشع مستنكر ، لا يستحق فاعله ثقة ولا صحبة ، ولا يستأهل إلا الاحتقار والتنديد!
ولا بد من وقفة أمام وصفة تعالى لهؤلاء القوم بقوله: { لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجًا . . . ؟ }
إنها لفتة ذات مغزى كبير . . إن سبيل الله هو الطريق المستقيم . وما عداه عوج غير مستقيم . وحين يصد الناس عن سبيل الله؛ وحين يصد المؤمنون عن منهج الله ، فإن الأمور كلها تفقد استقامتها ، والموازين كلها تفقد سلامتها ، ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم .
إنه الفساد . فساد الفطرة بانحرافها . وفساد الحياة باعوجاجها . . وهذا الفساد هو حصيلة صد الناس عن سبيل الله ، وصد المؤمنين عن منهج الله .
.وهو فساد في التصور . وفساد في الضمير . وفساد في الخلق . وفساد في السلوك . وفساد في الروابط . وفساد في المعاملات . وفساد في كل ما بين الناس بعضهم وبعض من ارتباطات . وما بينهم وبين الكون الذي يعيشون فيه من أواصر . . وإما أن يستقيم الناس على منهج الله فهي الاستقامة والصلاح والخير ، وإما أن ينحرفوا عنه إلى أية وجهة فهو العوج والفساد والشر . وليس هنالك إلا هاتان الحالتان ، تتعاوران حياة بني الإنسان: استقامة على منهج الله فهو الخير والصلاح ، وانحراف عن هذا المنهج فهو الشر والفساد!
ــــــــــــــ