فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 139

قال تعالى: { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) } [البقرة/145]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى ، بِأَنَّ كُفْرَ اليَهُودِ هُوَ كُفْرُ عِنَادٍ وَمُكَابَرَةٍ ، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تُزيلَهُ الحُجَّةُ والدَّلِيلُ . وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّهُ لَوْ جَاءَهُمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ ، وَكُلِّ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ، وَعَلَى أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهم ، لَمَا اتَّبَعُوهُ ، وَلَمَا صَدَّقُوهُ ، لأَنَّهُمْ إِنَّمَا خَالَفُوا الرَّسُولَ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً وَحَسَدًا ، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِم الحُجَّةُ . وَيَقُولُ اللهُ لِنَبِيِّهِ: إِنَّكَ لاَ تَتْبَعُ قِبْلَةَ أَهْلِ الكِتَابِ لأَنَّكَ عَلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ ، فَهِيَ الأَجْدَرُ بِالاتِّبَاعِ . وَأَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لاَ يَتبَعُ بَعْضُهُمْ قِبْلَةَ بَعْضٍ . فُاليَهُودُ لا يَتَّجِهُونَ إِلى الشَّرْقِ ، وَالنَّصَارَى لاَ يُغَيِّرُونَ قِبْلَتَهُمْ وَيَتَّجِهُونَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُتَمَسّكٌ بِمَا هُوَ عَلَيهِ ، مُحِقًا كَانَ أَوْ مُبطِلًا ، غَيرَ نَاظِرٍ إِلى حُجَّةٍ وَلاَ إِلَى بُرْهَانٍ . وَلَئِنْ وَافَقْتَهُمْ فِيما يُريدُونَ فَصَلَّيتَ إِلى قِبْلَتِهِمْ مُداراةَ لَهُمْ ، وَحِرْصًا عَلَى أَنْ يَتبَعُوكَ ، وَيُؤْمِنُوا بِكَ بَعدَ مَا جَاءَكَ الحَقُّ اليَقِينُ ، لَتَكُونَنَّ في جُملةِ الظَّالِمينَ ، وَحَاشَاكَ أَنْ تَفْعَل ذلِكَ .

إنهم لن يقتنعوا بدليل ، لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل؛ إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى ، والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } فهم في عناد يقوده الهوى ، وتؤرثه المصلحة ، ويحدوه الغرض . . وإن كثيرًا من طيبي القلوب ليظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام أنهم لا يعرفونه ، أو لأنه لم يقدم إليهم في صورة مقنعة . . وهذا وهم إنهم لا يريدون الإسلام لأنهم يعرفونه! يعرفونه فهم يخشونه على مصالحهم وعلى سلطانهم؛ ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر ، بشتى الطرق وشتى الوسائل . عن طريق مباشر وعن طرق أخرى غير مباشرة . يحاربونه وجهًا لوجه ، ويحاربونه من وراء ستار . ويحاربونه بأنفسهم ويستهوون من أهله من يحاربه لهم تحت أي ستار . . وهم دائمًا عند قول الله تعالى لنبيه الكريم: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } .

وفي مواجهة هذا الإصرار من أهل الكتاب على الإعراض عن قبلة الإسلام ومنهجه الذي ترمز هذه القبلة له ، يقرر حقيقة شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وموقفه الطبيعي: { وما أنت بتابع قبلتهم } . .

ليس من شأنك أن تتبع قبلتهم أصلًا . واستخدام الجملة الاسمية المنفية هنا أبلغ في بيان الشأن الثابت الدائم للرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاه هذا الأمر ..

إنه يعرف طاقتهم المحدودة ، فلا يكلفهم فوق طاقتهم؛ وإنه يهدي المؤمنين ، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان ، حين تصدق منهم النية ، وتصح العزيمة . وإذا كان البلاء مظهرًا لحكمته ، فاجتياز البلاء فضل رحمته: { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } . .بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة ويذهب عنها القلق ، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين . .

بعد ذلك يعلن استجابة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في أمر القبلة؛ ويعلن عن هذه القبلة مع تحذير المسلمين من فتنة يهود ، وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم . .

إن الأمر هنا يتعلق بالاستقامة على هدي الله وتوجيهه؛ ويتعلق بقاعدة التميز والتجرد إلا من طاعة الله ونهجه ومن ثم يجيء الخطاب فيه بهذا الحزم والجزم وبهذه المواجهة والتحذير . . { إنك إذًا لمن الظالمين } . .

إن الطريق واضح ، والصراط مستقيم . . فإما العلم الذي جاء من عند الله . وإما الهوى في كل ما عداه . وليس للمسلم أن يتلقى إلا من الله . وليس له أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلب . وما ليس من عند الله فهو الهوى بلا تردد .

وإلى جانب هذا الإيحاء الدائم نلمح كذلك أنه كانت هناك حالة واقعة من بعض المسلمين ، في غمرة الدسائس اليهودية وحملة التضليل الماكرة تستدعي هذه الشدة في التحذير ، وهذا الجزم في التعبير .

وبعد هذه الوقفة العابرة نعود إلى السياق؛ فنجده لا يزال يقرر معرفة أهل الكتاب الجازمة بأن الحق في هذا الشأن وفي غيره هو ما جاء به القرآن ، وما أمر به الرسول . ولكنهم يكتمون الحق الذي يعلمونه ، للهوى الذي يضمرونه: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } . .

ومعرفة الناس بأبنائهم هي قمة المعرفة ، وهي مثل يضرب في لغة العرب على اليقين الذي لا شبهة فيه . . فإذا كان أهل الكتاب على يقين من الحق الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنه هذا الذي جاء به في شأن القبلة ، وكان فريق منهم يكتمون الحق الذي يعلمونه علم اليقين . . فليس سبيل المؤمنين إذن أن يتأثروا بما يلقيه أهل الكتاب هؤلاء من أباطيل وأكاذيب

وليس سبيل المؤمنين أن يأخذوا من هؤلاء الذين يستيقنون الحق ثم يكتمونه شيئًا في أمر دينهم ، الذي يأتيهم به رسولهم الصادق الأمين .

وهنا يوجه الخطاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب:

{ الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } . .

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما امترى يومًا ولا شك . وحينما قال له ربه في آية أخرى: { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذي يقرأون الكتاب من قبلك } . قال: « لا أشك ولا أسأل » .

ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه - صلى الله عليه وسلم - يحمل إيحاء قويًا إلى من وراءه من المسلمين . سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم ، ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم .وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير؛ ونحن - في بلاهة منقطعة النظير - نروح نستفتي المستشرقين - من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار - في أمر ديننا ، ونتلقى عنهم تاريخنا ، ونأمنهم على القول في تراثنا ، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا ، وسيرة أوائلنا؛ ونرسل إليهم بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام ، ويتخرجون في جامعاتهم ، ثم يعودون الينا مدخولي العقل والضمير .

إن هذا القرآن قرآننا . قرآن الأمة المسلمة . وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره . وأهل الكتاب هم أهل الكتاب ، والكفار هم الكفار ، والدين هو الدين!

وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) } [الرعد/37، 38]

وَكَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِم الكُتُبَ مِنَ السَّمَاءِ ، كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ ، بِلِسَانِ قَوْمِكَ العَرَبِ ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَفَهُّمُ مَعَانِيهِ ، وَحِفْظُهُ ، فَاصِلًا لِلأُمُورِ عَلَى وَجْهِ الحَقِّ ، مُبَيِّنًا لأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ( حُكْمًا ) ، لِيَعْرِفَ المُكَلَّفُونَ مَا هُوَ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِمْ . وَإِذَا اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ وَالمُتَحَزِّبِينَ وَآرَاءَهُمْ ، بَعْدَ أَنْ جَاءَكَ العِلْمُ مِنْ رَبِّكَ وَالهُدَى ، فَلاَ وَاقِيَ لَكَ مِنَ اللهِ ، وَلاَ نَاصِرَ يَنْصُرُكَ مِنْ دُونِهِ .

( وَهَذا تَهْدِيدٌ لأَهْلِ العِلْمِ لِكَيْلاَ يَتَّبِعُوا سُبُلَ أَهْلِ الضَّلاَلَةِ ، بَعْدَ مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ ) . فالذي جاءك هو العلم اليقين , وما يقوله الأحزاب أهواء لا تستند إلى علم أو يقين . وهذا التهديد الموجه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبلغ في تقرير هذه الحقيقة , التي لا تسامح في الانحراف عنها , حتى ولو كان من الرسول , وحاشاه عليه الصلاة والسلام .

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت