قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) [المائدة/12- 14]
يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَخَذَ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَعْمَلُنَّ بِأَحْكَامِ التَّورَاةِ التِي تَحْوي شَرِيعَتَهُمْ . وَأَمَرَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ ، بِأنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ ، مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الاثْنَيِ عَشَرَ ، نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلَى جَمَاعَتِهِ ، بِالوَفَاءِ بِتَنْفِيذِ مَا أُمرُوا بِهِ ، فَاخْتَارَ مُوسَى النُّقَبَاءَ ، وَأَخَذَ المِيثَاقَ وَتَكَفَّلَ لَهُ النُّقَبَاءُ بِالوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمُوا بِهِ .
فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ التِي وَعَدَهُمُ اللهُ السُّكْنَى فِيهَا ، وَكَانَ فِيها الكَنْعَانِيُّونَ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَعَثَ مُوسَى النُّقَبَاءَ يَتَحَسَّسُونَ الأخْبَارَ ، فَرَأوا أجْسَامَ الكَنْعَانِيِّينَ قَوَّيةً ، فَهَابُوهُمْ ، وَرَجَعُوا يُحَدِّثُونَ قَوْمَهُمْ بِمَا رَأوا ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، فَنَكَثُوا المِيثَاقَ ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ إلاَّ نَقِيبَانِ .
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِبَني إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَان مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ: إنَّكُمْ بِحِفْظِي وَرِعَايَتِي ، وَإنِّي نَاصِرُكُمْ وَمُعِينُكُمْ مَا دُمْتُمْ مُحَافِظِينَ عَلَى المِيثَاقِ ، وَإني مَشْرِفٌ عَلَيكُمْ ، وَمُبْصِرٌ لأَفْعَالِكُمْ ، سَمِيعٌ عَلِيمٌ بِضَمَائِرِكُمْ ، وَقَادِرٌ عَلَى مُجَازَاتِكُمْ ، فَإذا أقَمْتُمُ الصَّلاَةَ ، وَأدَّيتُمُوهَا حَقَّ أَدَائِها ، وَدَفَعْتُمْ زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي جَمِيعًا ، وَصَدَّقْتُمُوهُمْ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ مِنَ الوَحْي ، وَنَصْرَتُمُوهُمْ وَآزَرْتُمُوهُمْ عَلَى الحَقِّ ( عَزَّرْتُمُوهُمْ ) ، وَأَنْفَقْتُم الأَمْوَالَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ ( أَقْرَضَتْمُ اللهُ ) . . . إذَا فَعَلْتُمْ كُلَّ ذَلِكَ لأكَفِّرنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وَأمْحُونَّ ذُنُوبَكُمْ ، وَأسْتُرُهَا عَلَيكُمْ ، وَلا أَؤاخِذُكُمْ عَلَيها وَلأدْخِلَنَّكُمْ فِي رَحْمَتِي ، وَأسْكِنُكُمْ جَنَّتِي التِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ . وَمَنْ خَالَفَ هَذا المِيثَاقَ بَعْدَ عَقْدِهِ وَتَوْكِيدِهِ ، فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الوَاضِحَ ، وَعَدَلَ عَنِ الهُدَى إلَى الضَّلالِ .
فَبِسَبَبَ نَقْضِهِم المِيثَاقَ الذِي أخَذَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ ( وَمِنْهُ الإِيمَانُ بِكُلِّ نَبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللهُ ، وَنَصْرُهُ وَتَبْجيلُهُ ) اسْتَحَقُّوا مَقْتَ اللهِ وَغَضَبَهُ ، حَتَّى قَتَلُوا الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَافْتَرَوا عَلَى مَرْيَمَ ، وَأَسَاؤُوا إلى عِيسَى ، الذِي جَاءَ لإِصْلاَحِ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِهِمِ وَأخْلاَقِهِمْ ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ ، فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ عَقَائِدِهِمِ وَأخْلاَقِهِمْ ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ ، فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ ذُنُوبٍ وَمَعَاصٍ جَعَلَ اللهُ قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ، فَلاَ يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ لِغِلْظَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَسْوَتِها ، وَجَعَلَ أَفْهَامَهُمْ فَاسِدَةً فَسَاءَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ فِي آيَاتِ اللهِ ، فَأَخَذُوا فِي تَحْرِيفِها وَتَأوِيلِها عَلَى غَيْرِ مَا أنْزِلَتْ لَهُ ، وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ المُرَادِ مِنْهَا ( يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) وَتَرَكُوا العَمَلَ بِهَا رَغْبَةً عَنْهَا ( نَسُوْا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) ، وَلاَ تَزَالُ تَكْتَشِفُ مِنْ أكْثَرِهِمْ غَدْرًا وَمَكْرًا بِكَ وَبِأصْحَابِكَ ( تَطَّلِعَ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ) ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ، وَهذا هُوَ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ ، وَفِيهِ تَألُّفٌ لِقُلُوبِهِمْ ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَهْدِيَهُمْ إلَى الحَقِّ ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ .
( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى - وَنَسُوا حَظّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ - هُوَ أنَّهُمْ نَسُوا الكِتَابَ الذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ) .
وَكَذَلِكَ أخَذَ اللهُ تَعَالَى المِيثَاقَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَالقِيَامِ بِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِمْ ، فَسَلَكُوا فِي مِيثَاقِ اللهِ طَرِيقَ اليَهُودِ ، فَبَدَّلُوا دِينَهُمْ ، وَنَقَضُوا المِيثَاقَ الذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ ، وَنَسُوا حَظًّا كَبيرًا مِنْ كِتابِهِمْ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ المَسِيحَ عَلَيهِ السَّلاَمُ لَمْ يَكْتُبْ مَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنَ المَواعِظِ ، وَتَوحِيدِ اللهِ وَتَنْزِيهِهِ ، وَلاَ طُرُقَ الإِرْشَادِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ ، وَكَانَ الذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَامَّةِ ( الحَوَارِيُّونَ كَانُوا مِنَ الصَّيَّادِينَ ) ، وَاشْتَدَّ اليَهُودُ فِي مُطَارَدَتِهِمْ فَتَفَرَّقُوا ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَاتٌ ذَاتِ قُوَّةٍ وَنُفُوذٍ وَعِلْمٍ تُدَوِّنُ مَا حَفِظُوهُ مِنَ الإِنْجِيلِ . وَالإِنْجِيلُ لَمْ يُكْتَبْ إلاَّ بَعْدَ ثَلاَثَةِ قُرُونٍ عِنْدَمَا دَخَلَ قُسْطَنْطِينُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًَا فِي تَفَرُّقِهِمْ وَتَعَادِيهِمْ ، وَاخْتِلاَفِهِمْ شِيَعًا وَطَوَائِفَ ، كُلُّ فِئَةٍ تُكَفِّرُ الأخْرَى وَتُعَادِيها .
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَلْقَى بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ حَتَّى قِيامِ السَّاعَةِ .
وَيَوْمِ القِيَامَةِ يُنْبِئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا ، وَبِمَا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَبِمَا نَسَبُوا إِلَيهِ مِنْ أنَّ لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وقال السعدي:
"يخبر تعالى أنه أخذ على بني إسرائيل الميثاق الثقيل المؤكد، وذكر صفة الميثاق وأجرهم إن قاموا به، وإثمهم إن لم يقوموا به، ثم ذكر أنهم ما قاموا به، وذكر ما عاقبهم به، فقال: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: عهدهم المؤكد الغليظ، { وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } أي: رئيسا وعريفا على من تحته، ليكون ناظرا عليهم، حاثا لهم على القيام بما أُمِرُوا به، مطالبا يدعوهم."
{ وَقَالَ اللَّهُ } للنقباء الذين تحملوا من الأعباء ما تحملوا: { إِنِّي مَعَكُمْ } أي: بالعون والنصر، فإن المعونة بقدر المؤنة.
ثم ذكر ما واثقهم عليه فقال: { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ } ظاهرا وباطنا، بالإتيان بما يلزم وينبغي فيها، والمداومة على ذلك { وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ } لمستحقيها { وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي } جميعهم، الذين أفضلهم وأكملهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي: عظمتموهم، وأديتم ما يجب لهم من الاحترام والطاعة { وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } وهو الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب، فإذا قمتم بذلك { لأكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب عليها من العقوبات.
{ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ } العهد والميثاق المؤكد بالأيمان والالتزامات، المقرون بالترغيب بذكر ثوابه.
{ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون من حرمان الثواب، وحصول العقاب. فكأنه قيل: ليت شعري ماذا فعلوا؟ وهل وفوا بما عاهدوا الله عليه أم نكثوا؟
فبين أنهم نقضوا ذلك فقال: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } .
أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات: الأولى: أنا { لَعَنَّاهُمْ } أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم، الذي هو سببها الأعظم.
الثانية: قوله: { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر، فلا يرغبهم تشويق، ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد، أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى، والخير إلا شرا.
الثالثة: أنهم { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ } أي: ابتلوا بالتغيير والتبديل، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراده الله ولا رسوله.
الرابعة: أنهم { نسوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } فإنهم ذكروا بالتوراة، وبما أنزل الله على موسى، فنسوا حظا منه، وهذا شامل لنسيان علمه، وأنهم نسوه وضاع عنهم، ولم يوجد كثير مما أنساهم الله إياه عقوبة منه لهم.
وشامل لنسيان العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم، أو وقع في زمانهم، أنه مما نسوه.
الخامسة: الخيانة المستمرة التي { لا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ } أي: خيانة لله ولعباده المؤمنين.
ومن أعظم الخيانة منهم، كتمهم [عن] من يعظهم ويحسن فيهم الظن الحق، وإبقاؤهم على كفرهم، فهذه خيانة عظيمة. وهذه الخصال الذميمة، حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم.
فكل من لم يقم بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام، كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب، والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب، ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة، نسأل الله العافية.
وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظا، لأنه هو أعظم الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية، كما قال تعالى: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } وقال في الحظ النافع: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }
وقوله: { إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ } أي: فإنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه فوفقهم وهداهم للصراط المستقيم.
{ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ } أي: لا تؤاخذهم بما يصدر منهم من الأذى، الذي يقتضي أن يعفى عنهم، واصفح، فإن ذلك من الإحسان { إن اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. وفي حق المخلوقين: بذل النفع الديني والدنيوي لهم.
وكما أخذنا على اليهود العهد والميثاق، فكذلك أخذنا على { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } لعيسى ابن مريم، وزكوا أنفسهم بالإيمان بالله ورسله وما جاءوا به، فنقضوا العهد، { فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } نسيانا علميا، ونسيانا عمليا. { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } أي: سلطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة، وهذا أمر مشاهد، فإن النصارى لم يزالوا ولا يزالون في بغض وعداوة وشقاق. { وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } فيعاقبهم عليه.
لقد كان ميثاق الله مع بني إسرائيل ميثاقًا بين طرفين؛ متضمنًا شرطًا وجزاء . والنص القرآني يثبت نص الميثاق وشرطه وجزاءه ، بعد ذكر عقد الميثاق وملابسات عقده . . لقد كان عقدًا مع نقباء بني إسرائيل الاثني عشر ، الذين يمثلون فروع بيت يعقوب - وهو إسرائيل - وهم ذرية الأسباط - أحفاد يعقوب - وعدتهم اثنا عشر سبطًا . . وكان هذا نصه:
{ وقال الله: إني معكم . لئن أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وآمنتم برسلي ، وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا . . لأكفرن عنكم سيئاتكم ، ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار . فمن كفر بعد ذلك منكم . فقد ضل سواء السبيل } . .
.. { إني معكم } . . وهو وعد عظيم . فمن كان الله معه ، فلا شيء إذن ضده . ومهما يكن ضده من شيء فهو هباء لا وجود - في الحقيقة - له ولا أثر . ومن كان الله معه فلن يضل طريقه ، فإن معية الله - سبحانه - تهديه كما أنها تكفيه . ومن كان الله معه فلن يقلق ولن يشقى ، فإن قربه من الله يطمئنه ويسعده . . وعلى الجملة فمن كان الله معه فقد ضمن ، وقد وصل ، وما له زيادة يستزيدها على هذا المقام الكريم .
ولكن الله - سبحانه - لم يجعل معيته لهم جزافًا ولا محاباة؛ ولا كرامة شخصية منقطعة عن أسبابها وشروطها عنده . . إنما هو عقد . . فيه شرط وجزاء .
شرطه: إقامة الصلاة . . لا مجرد أداء الصلاة . . إقامتها على أصولها التي تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب؛ وعنصرًا تهذيبيًا وتربويًا وفق المنهج الرباني القويم؛ وناهيًا عن الفحشاء والمنكر حياء من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من الفحشاء والمنكر!
وإيتاء الزكاة . . اعترافًا بنعمة الله في الرزق؛ وملكيته ابتداء للمال؛ وطاعة له في التصرف في هذا المال وفق شرطه - وهو المالك والناس في المال وكلاء - وتحقيقًا للتكافل الاجتماعي الذي على أساسه تقوم حياة المجتمع المؤمن؛ وإقامة لأسس الحياة الاقتصادية على المنهج الذي يكفل ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ، وألا يكون تكدس المال في أيد قليلة سببًا في الكساد العام بعجز الكثرة عن الشراء والاستهلاك مما ينتهي إلى وقف دولاب الإنتاج أو تبطئته؛ كما يفضي إلى الترف في جانب والشظف في جانب ، وإلى الفساد والاختلال في المجتمع بشتى ألوانه .. كل هذا الشر الذي تحول دونه الزكاة؛ ويحول دونه منهج الله في توزيع المال؛ وفي دورة الاقتصاد . .
والإيمان برسل الله . . كلهم دون تفرقة بينهم . فكلهم جاء من عند الله؛ وكلهم جاء بدين الله . وعدم الإيمان بواحد منهم كفر بهم جميعًا ، وكفر بالله الذي بعث بهم جميعًا . .
وليس هو مجرد الإيمان السلبي ، إنما هو العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل ، وشد أزرهم فيما ندبهم الله له ، وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه . . فالإيمان بدين الله من مقتضاه أن ينهض لينصر ما آمن به ، وليقيمه في الأرض ، وليحققه في حياة الناس . فدين الله ليس مجرد تصور اعتقادي ، ولا مجرد شعائر تعبدية . إنما هو منهج واقعي للحياة . ونظام محدد يصرف شئون هذه الحياة . والمنهج والنظام في حاجة إلى نصرة ، وتعزير ، وإلى جهد وجهاد لتحقيقه ولحمايته بعد تحقيقه . . وإلا فما وفى المؤمن بالميثاق .
وبعد الزكاة إنفاق عام . . يقول عنه الله - سبحانه - إنه قرض لله . . والله هو المالك ، وهو الواهب . . ولكنه - فضلًا منه ومنة - يسمي ما ينفقه الموهوب له - متى أنفقه لله - قرضًا لله . .
ذلك كان الشرط . فأما الجزاء فكان:
تكفير السيئات . . والإنسان الذي لا يني يخطىء ، ولا يني يندفع إلى السيئة مهما جاء بالحسنة . . تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم ورحمة من الله واسعة ، وتدارك لضعفه وعجزه وتقصيره . .
وجنة تجري من تحتها الأنهار . . وهي فضل خالص من الله ، لا يبلغه الإنسان بعمله ، إنما يبلغه بفضل من الله ، حين يبذل الجهد ، فيما يملك وفيما يطيق . .
وكان هنالك شرط جزائي في الميثاق: { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل } . .
فلا هدى له بعد ذلك ، ولا أوبة له من الضلال . بعد إذ تبين له الهدى ، وتحدد معه العقد ، ووضح له الطريق ، وتأكد له الجزاء . .
ذلك كان ميثاق الله مع نقباء بني إسرائيل . . عمن وراءهم . وقد ارتضوه جميعًا؛ فصار ميثاقًا مع كل فرد فيهم ، وميثاقًا مع الأمة المؤلفة منهم . . فماذا كان من بني إسرائيل!
لقد نقضوا ميثاقهم مع الله . . قتلوا أنبياءهم بغير حق ، وبيتوا القتل والصلب لعيسى عليه السلام - وهو آخر أنبيائهم - وحرفوا كتابهم - التوراة - ونسوا شرائعها فلم ينفذوها ، ووقفوا من خاتم الأنبياء - عليه الصلاة والسلام - موقفًا لئيمًا ماكرًا عنيدًا ، وخانوه وخانوا مواثيقهم معه . فباءوا بالطرد من هدى الله ، وقست قلوبهم فلم تعد صالحة لاستقبال هذا الهدى . .
{ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ونسوا حظًا مما ذكروا به . . . } وصدق الله . فهذه سمات يهود التي لا تفارقهم .. لعنة تبدو على سيماهم ، إذ تنضح بها جبلتهم الملعونة المطرودة من الهداية . وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة ، وفي تصرفاتهم الخالية من المشاعر الإنسانية ، ومهما حاولوا - مكرًا - إبداء اللين في القول عند الخوف وعند المصلحة ، والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة ، فإن جفاف الملامح والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة . . وطابعهم الأصيل هو تحريف الكلم عن مواضعه . تحريف كتابهم أولًا عن صورته التي أنزلها الله على موسى - عليه السلام - إما بإضافة الكثير إليه مما يتضمن أهدافهم الملتوية ويبررها بنصوص من الكتاب مزورة على الله! وإما بتفسير النصوص الأصلية الباقية وفق الهوى والمصلحة والهدف الخبيث! ونسيان وإهمال لأوامر دينهم وشريعتهم ، وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم ، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على منهج الله الطاهر النظيف القويم .
{ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ، إلا قليلًا منهم . . . } . .
وهو خطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - يصور حال يهود في المجتمع المسلم في المدينة . فهم لا يكفون عن محاولة خيانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كانت لهم مواقف خيانة متواترة . بل كانت هذه هي حالهم طوال إقامتهم معه في المدينة - ثم في الجزيرة كلها - وما تزال هذه حالهم في المجتمع الإسلامي على مدار التاريخ . على الرغم من أن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي آواهم ، ورفع عنهم الاضطهاد ، وعاملهم بالحسنى ، ومكن لهم من الحياة الرغيدة فيه . ولكنهم كانوا دائمًا - كما كانوا على عهد الرسول - عقارب وحيات وثعالب وذئابًا تضمر المكر والخيانة ، ولا تني تمكر وتغدر . إن أعوزتهم القدرة على التنكيل الظاهر بالمسلمين نصبوا لهم الشباك وأقاموا لهم المصائد ، وتآمروا مع كل عدو لهم ، حتى تحين الفرصة ، فينقضوا عليهم ، قساة جفاة لا يرحمونهم ، ولا يرعون فيهم إلا ولا ذمة . أكثرهم كذلك . . كما وصفهم الله سبحانه في كتابه ، وكما أنبأنا عن جبلتهم التي أورثها إياهم نقضهم لميثاق الله من قديم .
والتعبير القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ، تعبير طريف: { ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم } . .
الفعلة الخائنة ، والنية الخائنة ، والكلمة الخائنة ، والنظرة الخائنة . . يجملها النص بحذف الموصوف وإثبات الصفة . . « خائنة » . . لتبقى الخيانة وحدها مجردة ، تملأ الجو ، وتلقي ظلالها وحدها على القوم . . فهذا هو جوهر جبلتهم ، وهذا هو جوهر موقفهم ، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع الجماعة المسلمة . .
إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق . وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها ، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله ، ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها؛ وتسمع توجيهاته؛ وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها ، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام .. ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها؛ وحين اتخذت القرآن مهجورًا - وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة ، وتعاويذ ورقى وأدعية! - أصابها ما أصابها .
ولقد كان الله - سبحانه - يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه ، حين نقضوا ميثاقهم مع الله ، لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع الله ، فيصيبها ما يصيب كل ناكث للعهد ، ناقض للعقد . . فلما غفلت عن هذا التحذير ، وسارت في طريق غير الطريق ، نزع الله منها قيادة البشرية؛ وتركها هكذا ذيلًا في القافلة! حتى تثوب إلى ربها؛ وحتى تستمسك بعهدها ، وحتى توفي بعقدها . فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس . . وإلا بقيت هكذا ذيلًا للقافلة . . وعد الله لا يخلف الله وعده . .
ولقد كان توجيه الله لنبيه في ذلك الحين الذي نزلت فيه هذه الآية: { فاعف عنهم واصفح ، إن الله يحب المحسنين } . .
والعفو عن قبائحهم إحسان ، والصفح عن خيانتهم إحسان . .
ولكن جاء الوقت الذي لم يعد فيه للعفو والصفح مكان . فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم عن المدينة . ثم أن يأمر بإجلائهم عن الجزيرة كلها . وقد كان . .
كذلك يقص الله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة ، أنه أخذ ميثاق الذين قالوا: إنا نصارى ، من أهل الكتاب . ولكنهم نقضوا ميثاقهم كذلك . فنالهم جزاء هذا النقض للميثاق: