عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقُلْتُ: لَهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكُمُ الرُّومُ وَإِنَّمَا هَلَكَتُهُمْ مَعَ السَّاعَةِ" [1] "
إن أعداء هذا الدين , الذين يعرفون مواضع القوة في طبيعته وحركته ; وهم الذين يقول الله تعالى فيهم: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) . . لم يفتهم أن يدركوا أن التجمع على أساس العقيدة سر من أسرار قوة هذا الدين , وقوة المجتمع الإسلامي الذي يقوم على هذا الأساس . . ولما كانوا بصدد هدم ذلك المجتمع أو إضعافه إلى الحد الذي يسهل عليهم السيطرة عليه ; وشفاء ما في صدورهم من هذا الدين وأهله ; ولاستغلالهم كذلك واستغلال مقدراتهم وديارهم وأموالهم . . لما كانوا بصدد تلك المعركة مع هذا المجتمع لم يفتهم أن يوهنوا من القاعدة التي يقوم عليها ; وأن يقيموا لأهله المجتمعين على إله واحد , أصناما تعبد من دون الله , اسمها تارة"الوطن"واسمها تارة"القوم"واسمها تارة"الجنس". وظهرت هذه الأصنام على مراحل التاريخ تارة باسم"الشعوبية"وتارة باسم"الجنسية الطورانية"وتارة باسم"القومية العربية"وتارة بأسماء شتى , تحملها جبهات شتى , تتصارع فيما بينها في داخل المجتمع الإسلامي الواحد القائم على أساس العقيدة , المنظم بأحكام الشريعة . . . إلى أن وهنت القاعدة الأساسية تحت المطارق المتوالية , وتحت الإيحاءات الخبيثة المسمومة ; وإلى أن أصبحت تلك"الأصنام"مقدسات يعتبر المنكر لها خارجا على دين قومه ! أو خائنا لمصالح بلده !!!
وأخبث المعسكرات التي عملت وما زالت تعمل في تخريب القاعدة الصلبة التي كان يقوم عليها التجمع الإسلامي الفريد في التاريخ . . كان هو المعسكر اليهودي الخبيث , الذي جرب سلاح"القومية"في تحطيم التجمع المسيحي , وتحويله إلى قوميات سياسية ذات كنائس قومية . . وبذلك حطموا الحصار المسيحي حول الجنس اليهودي ; ثم ثنوا بتحطيم الحصار الإسلامي حول ذلك الجنس الكنود !
وكذلك فعل الصليبيون مع المجتمع الإسلامي - بعد جهد قرون كثيرة في إثارة النعرات الجنسية والقومية والوطنية بين الأجناس الملتحمة في المجتمع الإسلامي . . ومن ثم استطاعوا أن يرضوا أحقادهم الصليبية القديمة على هذا الدين وأهله . كما استطاعوا أن يمزقوهم ويروضوهم على الاستعمار الأوربي الصليبي . وما يزالون . . حتى يأذن الله بتحطيم تلك الأصنام الخبيثة الملعونة ; ليقوم التجمع الإسلامي من جديد , على أساسه المتين الفريد . .
وأخيرا فإن الناس ما كانوا ليخرجوا من الجاهلية الوثنية بكلياتهم حتى تكون العقيدة وحدها هي قاعدة تجمعهم . ذلك أن الدينونة لله وحده لا تتم تمامها إلا بقيام هذه القاعدة في تصورهم وفي تجمعهم .
يجب أن تكون هناك قداسة واحدة لمقدس واحد , وألا تتعدد"المقدسات"! ويجب أن يكون هناك شعار واحد , وألا تتعدد"الشعارات"ويجب أن تكون هناك قبلة واحدة يتجه إليها الناس بكلياتهم وألا تتعدد القبلات والمتجهات . .
إن الوثنية ليست صورة واحدة هي وثنية الأصنام الحجرية والآلهة الأسطورية ! إن الوثنية يمكن أن تتمثل في صور شتى ; كما أن الأصنام يمكن أن تتخذ صورا متعددة ; وآلهة الأساطير يمكن أن تتمثل مرة أخرى في المقدسات والمعبودات من دون الله أيا كانت أسماؤها . وأيا كانت مراسمها .
وما كان الإسلام ليخلص الناس من الأصنام الحجرية والأرباب الأسطورية , ثم يرضى لهم بعد ذلك أصنام الجنسيات والقوميات والأوطان . . وما إليها . . يتقاتل الناس تحت راياتها وشعاراتها . وهو يدعوهم إلى الله وحده , وإلى الدينونة له دون شيء من خلقه !
لذلك قسم الإسلام الناس إلى أمتين اثنتين على مدار التاريخ البشري . . أمة المسلمين من أتباع الرسل -كل في زمانه حتى يأتي الرسول الأخير إلى الناس كافة - وأمة غير المسلمين من عبدة الطواغيت والأصنام في شتى الصور والأشكال على مدار القرون . .
وعندما أراد الله أن يعرف المسلمين بأمتهم التي تجمعهم على مدار القرون , عرفها لهم في صورة أتباع الرسل - كل في زمانه - وقال لهم في نهاية استعراض أجيال هذه الأمة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) . . ولم يقل للعرب:إن أمتكم هي الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها سواء ! ولا قال لليهود:إن أمتكم هي بنو إسرائيل أو العبرانيون في جاهليتهم وإسلامهم سواء ! ولا قال لسلمان الفارسي:إن أمتك هي فارس ! ولا لصهيب الرومي:إن أمتك هي الرومان ! ولا لبلال الحبشي:إن أمتك هي الحبشة ! إنما قال للمسلمين من العرب والفرس والروم والحبش:إن أمتكم هي المسلمون الذين أسلموا حقا على أيام موسى وهارون , وإبراهيم , ولوط , ونوح , وداود وسليمان , وأيوب , وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون , وزكريا ويحيى , ومريم . . كما جاء في سورة الأنبياء: [ آيات:48 - 91 ] .
هذه هي أمة"المسلمين"في تعريف الله سبحانه . . فمن شاء له طريقا غير طريق الله فليسلكه . ولكن ليقل:إنه ليس من المسلمين ! أما نحن الذين أسلمنا لله , فلا نعرف لنا أمة إلا الأمة التي عرفها لنا الله . والله يقص الحق وهو خير الفاصلين . .
وحسبنا هذا القدر مع إلهامات قصة نوح في هذه القضية الأساسية في هذا الدين .
ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان الله سبحانه:
إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح عليه السلام , تذكر بعض الروايات أنهم اثنا عشر , هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن . .
إن هذه الحفنة - وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون ; وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض ! وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك , وبذرة العمران فيها والاستخلاف من جديد . .
.. وهذا أمر خطير . .
إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها ; والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة ; كما تعاني الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل . . إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلا أمام هذا الأمر الخطير , وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير !
إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى . . شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعا ; كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد !
لقد كان نوح عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه , كما قال تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) . .
وعندما لجأ نوح إلى ربه والقوم يطاردونه ويزجرونه ويفترون عليه كما قال الله تعالى في سورة القمر: (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) . .
عندما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه (مغلوب) ويدعو ربه أن"ينتصر"هو وقد غلب رسوله . . عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده المغلوب: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) . .
وبينما كانت تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوى الكوني الرائع المرهوب . . كان الله سبحانه - بذاته العلية - مع عبده المغلوب: (وحملناه على ذات ألواح ودسر . تجري بأعيننا . . جزاء لمن كان كفر . .) .
هذه هي الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية ; وحين"تغلبها"الجاهلية !
إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة . . وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان . فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى ! (وما يعلم جنود ربك إلا هو) . .
وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها ; وإلا أن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه ; وإلا أن تصبر حتى يأتي الله بأمره , وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه , إلا فترة الإعداد والابتلاء ; وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها وسيصنع بها في الأرض ما يشاء .. . وهذه هي عبرة الحادث الكوني العظيم . .
إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية . كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى وهو عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه: (أني مغلوب فانتصر) . .
إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة . . إن الجاهلية تملك قواها . . ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله . والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب !
وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله . . ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ; قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله . ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلا اثني عشر مسلما . . ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة , والتدمير على البشرية الضالة جميعا , وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها . .
إن عصر الخوارق لم يمض ! فالخوارق تتم في كل لحظة - وفق مشيئة الله الطليقة - ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطا أخرى , تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها . وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها ; ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائما , ويلابسون آثارها المبدعة .
والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملا , بكل ما في طاقتهم من جهد ; ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة . وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: (فدعا ربه أني مغلوب , فانتصر) . . ثم ينتظروا فرج الله القريب . وانتظار الفرج من الله عبادة ; فهم على هذا الانتظار مأجورون .
ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهادا كبيرا . . إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن ; ومن ثم يتذوقونه ويدركونه ; لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابا مباشرا به , كما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى , فتذوقته وأدركته وتحركت به . .
.. والحمد لله في الأولى والآخرة . .
الباب الثالث
ماذا طلب الله منا اتجاههم
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) } سورة آل عمران
يُحَذِّرُ اللهَ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ إطَاعَةِ اليَهُودِ الذِينَ يَحْسُدُونَ المُؤْمِنينَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَمَا مَنَحَهُمْ مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِمْ ، لأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي بِهِمْ إلَى الكُفْرِ .
وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي اثْنَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ . فَيُروَى أنَّ الأوْسَ وَالخَزْرَجَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ حُرُوبٌ شَدِيدَةٌ ، وَعَدَاوَاتٌ مُسْتَحْكِمَةٌ ، وَلَمَّا دَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ ألَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، وَأَصْبَحُوا إخْوَةً فِي الإِسْلاَمِ . وَمَرَّ يَهُودِيٌّ فَرَأى الأوْسَ وَالخَزْرَجَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ أكْثَرُ مَا يَكُونُونَ تَوادًّا وَصَفَاءً ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ ، فَدَسَّ يَهُودِيًا يُذَكِّرُهُمْ بِأيَّامِ الحُرُوبِ بَيْنَهُمْ ، وَبِمَا كَانُوا يُفَاخِرُونَ بِهِ مِنْ أشْعَارٍ ، فَفَعَلَ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأوْسِ وَآخَرُ مِنَ الخَزْرَجِ فَتَلاسَنَا ، وَأَثَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمَاعَتَهُ ، وَدَعَاهُمْ بِدَعْوَةِ الجَاهِلِيّةِ ، وَتَسَلَّحَ النَّاسُ وَخَرَجُوا لِلْقِتَالِ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَخَطَبَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ فَسَكَنُوا ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَالتِي قَبْلَهَا .
قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: لِمَ تَمْنَعُونَ المُؤْمِنِينَ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الإِيمَانِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى اللهِ ، وَتُكَّذِبُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَرِسَالَتِهِ ، كُفْرًا وَعِنَادًا ، وَكِبْرًا وَحَسَدًا ، وَتُلْقُونَ الشُّبُهَاتِ البَاطِلَةَ فِي قُلُوبِ الضُّعَفَاءِ مِنَ المُسْلِمِينَ بَغْيًا وَكَيْدًا لِلنَّبِيِّ؟ هَلْ تُرِيْدُونَ اعْوِجَاجَ الأمُورِ ، وَسِيَادَةَ الشَّرِّ وَالفَسَادِ فِي الأرْضِ؟ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ عَلَى صِحَّةِ مَا أقُولُ ، وَعَلَى صِدْقِ مَا جَاءَنِي مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لاَ يَغِيبُ عَنْ عِلْمِ اللهِ شَيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ صَدٍّ وَكُفْرٍ وَبَغْيٍ .
ثم ذكر تعالى السبب الأعظم والموجب الأكبر لثبات المؤمنين على إيمانهم، وعدم تزلزلهم عن إيقانهم، وأن ذلك من أبعد الأشياء، فقال: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات البينات التي توجب القطع بموجبها والجزم بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من الوجوه، خصوصا والمبين لها أفضل الخلق وأعلمهم وأفصحهم وأنصحهم وأرأفهم بالمؤمنين، الحريص على هداية الخلق وإرشادهم بكل طريق يقدر عليه، فصلوات الله وسلامه عليه، فلقد نصح وبلغ البلاغ المبين، فلم يبق في نفوس القائلين مقالا ولم يترك لجائل في طلب الخير مجالا ثم أخبر أن من اعتصم به فتوكل عليه وامتنع بقوته ورحمته عن كل شر، واستعان به على كل خير { فقد هدي إلى صراط مستقيم } موصل له إلى غاية المرغوب، لأنه جمع بين اتباع الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله وبين الاعتصام بالله.
لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشىء في الأرض طريقها على منهج الله وحده ، متميزة متفردة ظاهرة . لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله؛ لتؤدي في حياة البشر دورًا خاصًا لا ينهض به سواها . لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض ، وتحقيقه في صورة عملية ، ذات معالم منظورة ، تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال ، ومشاعر وأخلاق ، وأوضاع وارتباطات .
وهي لا تحقق غاية وجودها ، ولا تستقيم على طريقها ، ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة ، إلا إذا تلقت من الله وحده ، وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده . قيادة البشرية . . لا التلقي من أحد من البشر ، ولا اتباع أحد من البشر ، ولا طاعة أحد من البشر . . إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف . .
هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات . وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة . . وهنا موضع من هذه المواضع ، مناسبته هي المناظرة مع أهل الكتاب ، ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المسلمة في المدينة . . ولكنه ليس محدودًا بحدود هذه المناسبة ، فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة ، في كل جيل من أجيالها ، لأنه هو قاعدة حياتها ، بل قاعدة وجودها .
لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشرية . فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصلها بالله ، ولتقودها بمنهج الله؟ وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن ، وليس لوجودها - في هذه الحال - من غاية؟!
لقد وجدت للقيادة: قيادة التصور الصحيح . والاعتقاد الصحيح . والشعور الصحيح . والخلق الصحيح . والنظام الصحيح . والتنظيم الصحيح . . وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول ، وأن تتفتح ، وأن تتعرف إلى هذا الكون ، وأن تعرف أسراره ، وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته .
.ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله ، وتسيطر على هذا كله وتوجهه لخير البشر لا لتهديدهم بالخراب والدمار ، ولا لتسخيره في المآرب والشهوات . . ينبغي أن تكون للإيمان ، وأن تقوم عليها الجماعة المسلمة ، مهتدية فيها بتوجيه الله . لا بتوجيه أحد من عبيد الله .
وهنا في هذا الدرس يحذر الأمة المسلمة من اتباع غيرها ، ويبين لها كذلك طريقها لإنشاء الأوضاع الصحيحة وصيانتها . ويبدأ بتحذيرها من اتباع أهل الكتاب ، وإلا فسيقودونها إلى الكفر لا مناص .
{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}
إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم ، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم ، تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية ، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة . كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدًا في طريق النماء والارتقاء . وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس ، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب .
هذا من جانب المسلمين . فأما من الجانب الآخر ، فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها . فهذه العقيدة هي صخرة النجاة؛ وخط الدفاع ، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة . وأعداؤه يعرفون هذا جيدًا . يعرفونه قديمًا ويعرفونه حديثًا ، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة ، ومن قوة كذلك وعُدة . وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين . وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحده ، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام ، أو ممن ينتسبون - زورًا - للإسلام ، جنودًا مجندة ، لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار ، ولتصد الناس عنها ، ولتزين لهم مناهج غير منهجها ، وأوضاعًا غير أوضاعها ، وقيادة غير قيادتها . .
فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعًا واتباعًا ، فهم ولا شك سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرقهم ، وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال .
ودواعي الإيمان حاضرة ، والدعوة إلى الإيمان قائمة ، ومفرق الطريق بين الكفر والإيمان مسلط عليه هذا النور: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ }
أجل . إنها لكبيرة أن يكفر المؤمن في ظل هذه الظروف المعينة على الإيمان . . وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استوفى أجله ، واختار الرفيق الأعلى ، فإن آيات الله باقية ، وهدى رسوله - صلى الله عليه وسلم - باق . . ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون ، وطريق العصمة بين ، ولواء العصمة مرفوع: { ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } . .
أجل . إنه الاعتصام بالله يعصم . والله سبحانه باق . وهو - سبحانه - الحي القيوم .
ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتشدد مع أصحابه - رضوان الله عليهم - في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج ، بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شؤون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة ، كشؤون الزرع ، وخطط القتال ، وأمثالها من المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي ، ولا بالنظام الاجتماعي ، ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان . . وفرق بين هذا وذلك بين . فمنهج الحياة شيء ، والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر . والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله ، هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة . .
قال الإمام أحمد: « حدثنا عبد الرازق ، أنبأنا سفيان ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن ثابت . قال: » جاء عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله . إني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة ، فكتب لي جوامع من التوراة . ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال عمر: رضيت بالله ربًا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولًا . قال: فسري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم . إنكم حظي من الأمم ، وأنا حظكم من النبيين « .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا حماد عن الشعبي عن جابر . قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء . فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا . وإنكم إما أن تصدقوا بباطل ، وإما أن تكذبوا بحق . وإنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني . . « وفي بعض الأحاديث: » لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي « .
هؤلاء هم أهل الكتاب . وهذا هو هدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التلقي عنهم في أي أمر يختص بالعقيدة والتصور ، أو بالشريعة والمنهج . . ولا ضير - وفق روح الإسلام وتوجيهه - من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة ، علمًا وتطبيقًا . . مع ربطها بالمنهج الإيماني: من ناحية الشعور بها ، وكونها من تسخير الله للإنسان . ومن ناحية توجيهها والانتفاع بها في خير البشرية ، وتوفير الأمن لها والرخاء . وشكر الله على نعمة المعرفة ونعمة تسخير القوى والطاقات الكونية . شكره بالعبادة . وشكره بتوجيه هذه المعرفة وهذا التسخير لخير البشرية . .
(1) - غاية المقصد في زوائد المسند (2770 ) حسن