فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 139

قال تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) } [النساء/171-173]

يَنْهَى اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ عَنِ الغُلُوِّ فِي دِينِهِمْ ، وَعَنِ المُبَالَغَةِ ، وَتَجاوُزِ الحُدُودِ التِي حَدَّها اللهُ ، وَيَأمُرُهُمْ بِألا يَعْتَقِدُوا إلاَّ القَوْلَ الحَقَّ الثَّابِتِ بِنَصٍّ دِينيٍّ مُتَوَاتِرٍ ، وَبُرْهَانٍ قَاطِعٍ . وَيَخُصُّ فِي خِطَابِهِ ، فِي هَذِهِ الآيَةِ ، النَّصَارَى الذِينَ غَلَوا فِي المَسِيحِ فَجَعَلُوهُ إلهًا يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللهِ . وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأنْ لاَ يَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ ، فَيَجْعَلُوا لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا ، فَلاَ إله إلاَّ هُوَ ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ ، فَالمَسِيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ ، خَلَقَهُ اللهُ بِكَلِمَةٍ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ ، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ تَعَالَى بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ ، وَبِالتَّصْدِيقِ بِأنَّ اللهَ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ ، وَهُوَ وَاحِدٌ أَحَدٌ ، لاَ صَاحِبَهٌ لَهُ وَلاَ وَلَدٌ ، وَأنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولَهُ إلَى اليَهُودِ . ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأنْ لاَ يَجْعَلُوا عِيسَى وَأُمَّهُ شَرِيكَيْنِ مَعَ اللهِ ، فِي الخَلْقِ وَالمُلْكِ ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًا كَبِيرًا .

ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَنْتَهُوا عَنْ هَذِهِ الأَقْوَالِ التِي هِيَ كُفْرٌ وَإِشْرَاكٌ ، لأنَّ فِي الانْتِهَاءِ عَنْ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ .

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إنَّ اللهَ وَاحِدٌ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَتَنَزَّهَ ، عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ أَوْ شَرِيكٌ ، وَجَمِيعُ مَا فِي الوُجُودِ مِنْ خَلْقٍ مُلْكَهُ ، وَهُمْ جَمِيعًا تَحْتَ قَهْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ ، وَهُوَ وَكِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدٌ؟

لاَ يَسْتَكْبِرُ المَسِيحُ ، وَلاَ يَسْتَكْبِرُ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ ، أنْ يَكُونُوا مِنْ عِبَادِ اللهِ ، لأنَّهُمْ يَعْرِفُونَ عَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ ، وَالذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ ، وَيَرَوْنَ أنَّهُ لاَ يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِقَابًا شَدِيدًا ، وَيَحْشُرُهُمْ جَميعًا فِي جَهَنَّمَ .

أمَّا الذِينَ آمَنُوا ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ ، فَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ . وَأمَّا الذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طَاعَةِ اللهِ ، وَامْتَنَعُوا عَنْ عِبَادَتِهِ ، فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ، فَهُوَ تَعَالَى يُجَازِي المُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ بِالعَدْلِ وَالفَضْلِ ، وَيُجازِي المُسِيءَ عَلَى إِسَاءَتِهِ بِالعَدْلِ . وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ وَليًّا يَلِي أُمُورَهُمْ وَيُدَبِّرُها ، وَلاَ نَاصِرًا يَنْصُرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأسِهِ .

وقال السعدي:

"ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى عليه السلام، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك، ولهذا قال: { وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ } وهذا الكلام يتضمن ثلاثة أشياء:"

أمرين منهي عنهما، وهما قول الكذب على الله، والقول بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ورسله، والثالث: مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور.

ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية، وكان السياق في شأن عيسى عليه السلام نصَّ على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية والنصرانية فقال: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ } أي: غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة التي هي أعلى الدرجات وأجلّ المثوبات.

وأنه { كَلِمَتُهُ } التي { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } أي: كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى، ولم يكن تلك الكلمة، وإنما كان بها، وهذا من باب إضافة التشريف والتكريم.

وكذلك قوله: { وَرُوحٌ مّنْهُ } أي: من الأرواح التي خلقها وكملها بالصفات الفاضلة والأخلاق الكاملة، أرسل الله روحه جبريل عليه السلام فنفخ في فرج مريم عليها السلام، فحملت بإذن الله بعيسى عليه السلام.

فلما بيّن حقيقة عيسى عليه السلام، أمر أهل الكتاب بالإيمان به وبرسله، ونهاهم أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة أحدهم عيسى، والثاني مريم، فهذه مقالة النصارى قبحهم الله.

فأمرهم أن ينتهوا، وأخبر أن ذلك خير لهم، لأنه الذي يتعين أنه سبيل النجاة، وما سواه فهو طريق الهلاك، ثم نزه نفسه عن الشريك والولد فقال: { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: هو المنفرد بالألوهية، الذي لا تنبغي العبادة إلا له. { سُبْحَانَهُ } أي: تنزه وتقدس { أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } لأن { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } فالكل مملوكون له مفتقرون إليه، فمحال أن يكون له شريك منهم أو ولد.

ولما أخبر أنه المالك للعالم العلوي والسفلي أخبر أنه قائم بمصالحهم الدنيوية والأخروية وحافظها، ومجازيهم عليها تعالى.

ولما ذكر تعالى غلو النصارى في عيسى عليه السلام، وذكر أنه عبده ورسوله، ذكر هنا أنه لا يستنكف عن عبادة ربه، أي: لا يمتنع عنها رغبة عنها، لا هو { وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } فنزههم عن الاستنكاف وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى، ونفي الشيء فيه إثبات ضده.

أي: فعيسى والملائكة المقربون قد رغبوا في عبادة ربهم، وأحبوها وسعوا فيها بما يليق بأحوالهم، فأوجب لهم ذلك الشرف العظيم والفوز العظيم، [ ص 217 ] فلم يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لربوبيته ولا لإلهيته، بل يرون افتقارهم لذلك فوق كل افتقار.

ولا يظن أن رفع عيسى أو غيره من الخلق فوق مرتبته التي أنزله الله فيها وترفعه عن العبادة كمالا بل هو النقص بعينه، وهو محل الذم والعقاب، ولهذا قال: { وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } أي: فسيحشر الخلق كلهم إليه، المستنكفين والمستكبرين وعباده المؤمنين، فيحكم بينهم بحكمه العدل، وجزائه الفصل.

ثم فصل حكمه فيهم فقال: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: جمعوا بين الإيمان المأمور به، وعمل الصالحات من واجبات ومستحبات، من حقوق الله وحقوق عباده.

{ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي: الأجور التي رتبها على الأعمال، كُلٌّ بحسب إيمانه وعمله.

{ وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ } من الثواب الذي لم تنله أعمالهم ولم تصل إليه أفعالهم، ولم يخطر على قلوبهم. ودخل في ذلك كل ما في الجنة من المآكل والمشارب، والمناكح، والمناظر والسرور، ونعيم القلب والروح، ونعيم البدن، بل يدخل في ذلك كل خير ديني ودنيوي رتب على الإيمان والعمل الصالح.

{ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا } أي: عن عبادة الله تعالى { فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وهو سخط الله وغضبه، والنار الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

{ وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } أي: لا يجدون أحدا من الخلق يتولاهم فيحصل لهم المطلوب، ولا مَن ينصرهم فيدفع عنهم المرهوب، بل قد تخلى عنهم أرحم الراحمين، وتركهم في عذابهم خالدين، وما حكم به تعالى فلا رادّ لحكمه ولا مغيّر لقضائه.""

الغلو إذن وتجاوز الحد والحق ، هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق؛ فيزعموا له ولدًا - سبحانه - كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة . .

وقد تطورت عندهم فكرة البنوة ، وفكرة التثليث ، حسب رقي التفكير وانحطاطه . ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله ، والذي تزيده الثقافة العقلية ، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر . ولكن عن « المحبة » بين الآب والابن . وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة . . بأنها « صفات » لله سبحانه في « حالات » مختلفة . . وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري . فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض .

والله - سبحانه - تعالى عن الشركة؛ وتعالى عن المشابهة . ومقتضى كونه خالقًا يستتبع . . بذاته . . أن يكون غير الخلق . وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق . والمالك والملك .. وإلى هذا يشير النص القرآني: { إنما الله إله واحد . سبحانه! أن يكون له ولد؟ له ما في السماوات وما في الأرض . . }

وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيبًا في عرف البشر ، خارقًا لما ألفوه ، فهذا العجب إنما تنشئه مخالفة المألوف . والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود . والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله . والله يخلق السنة ويجريها ، ويصرفها حسب مشيئته . ولا حد لمشيئته .

والله - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح: { إنما المسيح عيسى بن مريم ، رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه } . .

فهو على وجه القصد والتحديد: { رسول الله } . .شأنه في هذا شأن بقية الرسل . شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد ، وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان . .

{ وكلمته ألقاها إلى مريم } وأقرب تفسير لهذه العبارة ، أنه سبحانه ، خلق عيسى بالأمر الكوني المباشر ، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن: إنه « كن . . فيكون » . . فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب - كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم - والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم ، لا عجب في أن تخلق عيسى - عليه السلام - في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله: { وروح منه } . .وقد نفخ الله في طينة آدم من قبل من روحه . فكان « إنسانًا » . . كما يقول الله تعالى: { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } وكذلك قال في قصة عيسى: { والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا } . فالأمر له سابقة . . والروح هنا هو الروح هناك . . ولم يقل أحد من أهل الكتاب - وهم يؤمنون بقصة آدم والنفخة فيه من روح الله - إن آدم إله ، ولا أقنوم من أقانيم الإله . كما قالوا عن عيسى؛ مع تشابه الحال - من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك . بل إن آدم خلق من غير أب وأم: وعيسى خلق مع وجود أم . . وكذلك قال الله: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون } ويعجب الإنسان - وهو يرى وضوح القضية وبساطتها - من فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله ، في أذهان أجيال وأجيال وهي - كما يصورها القرآن - بسيطة بسيطة ، وواضحة مكشوفة .

إن الذي وهب لآدم . . من غير أبوين . . حياة إنسانية متميزة عن حياة سائر الخلائق بنفخة من روحه ، لهو الذي وهب عيسى . . من غير أب . . هذه الحياة الإنسانية كذلك . . وهذالكلام البسيط الواضح أولى من تلك الأساطير التي لا تنتهي عن ألوهية المسيح ، لمجرد أنه جاء من غير أب .وعن ألوهية الأقانيم الثلاثة كذلك! . . تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا: { فآمنوا بالله ورسله . ولا تقولوا: ثلاثة . انتهوا خيرًا لكم } . .وهذه الدعوة للإيمان بالله ورسله - ومن بينهم عيسى بوصفه رسولًا ، ومحمد بوصفه خاتم النبيين - والانتهاء عن تلك الدعاوى والأساطير ، تجيء في وقتها المناسب بعد هذا البيان الكاشف والتقرير المريح . .

{ إنما الله إله واحد } . . تشهد بهذا وحدة الناموس . . ووحدة الخلق . ووحدة الطريقة: كن . . فيكون . . ويشهد بذلك العقل البشري ذاته . فالقضية في حدود إدراكه . فالعقل لا يتصور خالقًا يشبه مخلوقاته ، ولا ثلاثة في واحد . ولا واحدًا في ثلاثة: { سبحانه أن يكون له ولد } . .

والولادة امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل . . والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين؛ وكل ما في السماوات وما في الأرض ملك له سبحانه على استواء: { له ما في السماوات وما في الأرض } . .ويكفي البشر أن يرتبطوا كلهم بالله ارتباط العبودية للمعبود؛ وهو يرعاهم أجمعين ، ولا حاجة لافتراض قرابة بينهم وبينه عن طريق ابن له منهم! فالصلة قائمة بالرعاية والكلاءة: { وكفى بالله وكيلًا } . .وهكذا لا يكتفي القرآن ببيان الحقية وتقريرها في شأن العقيدة . إنما يضيف إليها إراحة شعور الناس من ناحية رعاية الله لهم؛ وقيامه - سبحانه - عليهم وعلى حوائجهم ومصالحهم؛ ليكلوا إليه أمرهم كله في طمأنينة . .

ويمضي السياق في البيان؛ لتقرير أكبر قضايا التصور الاعتقادي الصحيح ، وهي الحقيقة الاعتقادية التي تنشأ في النفس من تقرير حقيقة الوحدانية . . حقيقة أن ألوهية الخالق تتبعها عبودية الخلائق . . وأن هناك فقط: ألوهية وعبودية . . ألوهية واحدة ، وعبودية تشمل كل شيء ، وكل أحد ، في هذا الوجود .

ويصحح القرآن هنا عقيدة النصارى كما يصحح كل عقيدة تجعل للملائكة بنوة كبنوة عيسى ، أو شركًا في الألوهية كشركته في الألوهية: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله - ولا الملائكة المقربون - ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله؛ وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابًا أليمًا ، ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا } .

لقد عني الإسلام عناية بالغة بتقرير حقيقة وحدانية الله سبحانه؛ وحدانية لا تتبلس بشبهة شرك أو مشابهة في صورة من الصور؛ وعني بتقرير أن الله - سبحانه - ليس كمثله شيء . فلا يشترك معه شيء في ماهية ولا صفة ولا خاصية . كما عني بتقرير حقيقة الصلة بين الله - سبحانه وكل شيء ( بما في ذلك كل حي ) وهي أنها صلة ألوهية وعبودية . ألوهية الله ، وعبودية كل شيء لله . . والمتتبع للقرآن كله يجد العناية فيه بالغة بتقرير هذه الحقائق - أو هذه الحقيقة الواحدة بجوانبها هذه - بحيث لا تدع في النفس ظلًا من شك أو شبهة أو غموض .

ولقد عني الإسلام كذلك بأن يقرر أن هذه هي الحقيقة التي جاء بها الرسل أجمعون . فقررها في سيرة كل رسول ، وفي دعوة كل رسول؛ وجعلها محور الرسالة من عهد نوح عليه السلام ، إلى عهد محمد خاتم النبيين - عليه الصلاة والسلام - تتكرر الدعوة بها على لسان كل رسول: { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } وكان من العجيب أن أتباع الديانات السماوية - وهي حاسمة وصارمة في تقرير هذه الحقيقة - يكون منهم من يحرف هذه الحقيقة؛ وينسب لله - سبحانه - البنين والبنات؛ أو ينسب لله - سبحانه - الامتزاج مع أحد من خلقه في صورة الأقانيم؛ اقتباسًا من الوثنيات التي عاشت في الجاهليات!

ألوهية وعبودية . . ولا شيء غير هذه الحقيقة . ولا قاعدة إلا هذه القاعدة . ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية ، وصلة العبودية بالألوهية . .

ولا تستقيم تصورات الناس - كما لا تستقيم حياتهم - إلا بتمحيص هذه الحقيقة من كل غبش ، ومن كل شبهة ، ومن كل ظل!

أجل لا تستقيم تصورات الناس ، ولا تستقر مشاعرهم ، إلا حين يستيقنون حقيقة الصلة بينهم وبين ربهم . .

هو إله لهم وهم عبيده . . هو خالق لهم وهم مخاليق . . هو مالك لهم وهم مماليك . . وهم كلهم سواء في هذه الصلة ، لا بنوة لأحد . ولا امتزاج بأحد . . ومن ثم لا قربى لأحد إلا بشيء يملكه كل أحد ويوجه إرادته إليه فيبلغه: التقوى والعمل الصالح . . وهذا في مستطاع كل أحد أن يحاوله . فأما البنوة ، وأما الامتزاج فانى بهما لكل أحد؟!

ولا تستقيم حياتهم وارتباطاتهم ووظائفهم في الحياة ، إلا حين تستقر في أخلادهم تلك الحقيقة: أنهم كلهم عبيد لرب واحد . . ومن ثم فموقفهم كلهم تجاه صاحب السلطان واحد . . فأما القربى إليه ففي متناول الجميع . . عندئذ تكون المساواة بين بني الانسان ، لأنهم متساوون في موقفهم من صاحب السلطان . . وعندئذ تسقط كل دعوى زائفة في الوساطة بين الله والناس؛ وتسقط معها جميع الحقوق المدعاة لفرد أو لمجموعة أو لسلسلة من النسب لطائفة من الناس . . وبغير هذا لا تكون هناك مساواة أصيلة الجذور في حياة بني الإنسان ومجتمعهم ونظامهم ووضعهم في هذا النظام!

فالمسألة - على هذا - ليست مسألة عقيدة وجدانية يستقر فيها القلب على هذا الأساس الركين ، فحسب ، إنما هي كذلك مسألة نظام حياة ، وارتباطات مجتمع ، وعلاقات أمم وأجيال من بني الإنسان .

إنه ميلاد جديد للإنسان على يد الإسلام . . ميلاد للإنسان المتحرر من العبودية للعباد ، بالعبودية لرب العباد . . ومن ثم لم تقم في تاريخ الإسلام « كنيسة » تستذل رقاب الناس ، بوصفها الممثلة لابن الله ، أو للأقنوم المتمم للأقانيم الإلهية؛ المستمدة لسلطانها من سلطان الابن أو سلطان الأقنوم .

ولم تقم كذلك في تاريخ الإسلام سلطة مقدسة تحكم « بالحق الإلهي » زاعمة أن حقها في الحكم والتشريع مستمد من قرابتها أو تفويضها من الله!

وقد ظلَّ « الحق المقدس » للكنيسة والبابوات في جانب؛ وللأباطرة الذين زعموا لأنفسهم حقًا مقدسًا كحق الكنيسة في جانب . . ظل هذا الحق أو ذاك قائمًا في أوربا باسم ( الابن ) أو مركب الأقانيم . حتى جاء « الصليبيون » إلى أرض الإسلام مغيرين . فلما ارتدوا أخذوا معهم من أرض الإسلام بذرة الثورة على « الحق المقدس » وكانت فيما بعد ثورات « مارتن لوثر » و « كالفن » و « زنجلي » المسماة بحركة الإصلاح . . على أساس من تأثير الإسلام ، ووضوح التصور الإسلامي ، ونفي القداسة عن بني الإنسان؛ ونفي التفويض في السلطان . . لأنه ليست هنالك إلا ألوهية وعبودية في عقيدة الإسلام . .

وهنا يقول القرآن كلمة الفصل في ألوهية المسيح وبنوته؛ وألوهية روح القدس ( أحد الأقانيم ) وفي كل أسطورة عن بنوة أحد لله ، أو ألوهية أحد مع الله ، في أي شكل من الأشكال . . يقول القرآن كلمة الفصل بتقريره أن عيسى بن مريم عبد لله؛ وأنه لن يستنكف أن يكون عبدًا لله . وأن الملائكة المقربين عبيد لله؛ وأنهم لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدًا لله . وأن جميع خلائقه ستحشر إليه . وأن الذين يستنكفون عن صفة العبودية ينتظرهم العذاب الأليم . وأن الذين يقرون بهذه العبودية لهم الثواب العظيم: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله - ولا الملائكة المقربون - ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله . وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابًا أليمًا ، ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا } .

إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبدًا لله . لأنه - عليه السلام - وهو نبي الله ورسوله - خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية؛ وأنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان . وهو خير من يعرف أنه من خلق الله؛ فلا يكون خلق الله كالله؛ أو بعضًا من الله! وهو خير من يعرف أن العبودية لله - فضلًا على أنها الحقيقة المؤكدة الوحيدة - لا تنقص من قدره . فالعبودية لله مرتبة لا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء . وهي المرتبة التي يصف الله بها رسله ، وهم في أرقى حالاتهم وأكرمها عنده . . وكذلك الملائكة المقربون - وفيهم روح القدس جبريل - شأنهم شأن عيسى عليه السلام وسائر الأنبياء - فما بال جماعة من أتباع المسيح يأبون له ما يرضاه لنفسه ويعرفه حق المعرفة؟!

{ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا } . .

فاستنكافهم واستكبارهم لا يمنعهم من حشر الله لهم بسلطانه .. سلطان الألوهية على العباد . . شأنهم في هذا شأن المقرين بالعبودية المستسلمين لله . .

فأما الذين عرفوا الحق ، فأقروا بعبوديتهم لله؛ وعملوا الصالحات لأن عمل الصالحات هو الثمرة الطبيعية لهذه المعرفة وهذا الإقرار؛ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله . { وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابًا أليمًا ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا } . .

وما يريد الله - سبحانه - من عباده أن يقروا له بالعبودية ، وأن يعبدوه وحده ، لأنه بحاجة إلى عبوديتهم وعبادتهم ، ولا لأنها تزيد في ملكه تعالى أو تنقص من شيء . ولكنه يريد لهم أن يعرفوا حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، لتصح تصوراتهم ومشاعرهم ، كما تصح حياتهم وأوضاعهم . فما يمكن أن تستقر التصورات والمشاعر ، ولا أن تستقر الحياة والأوضاع ، على أساس سليم قويم ، إلا بهذه المعرفة وما يتبعها من إقرار ، وما يتبع الإقرار من آثار . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت