قال تعالى: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [النساء/123، 124]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَاصَمَ أَهْلُ الأَدْيَانِ فَقَالَ أَهْلُ التَّورَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرُ الكُتُبِ ، وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ .
وَقَالَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ .
وَقَالَ أَهْلُ الإِسْلاَمِ: لاَ دِينَ إلاّ الإِسْلاَمُ ، وَكِتَابُنا نَسَخَ كُلَّ الكُتُبِ ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ، وَأُمِرْتُمْ وَأُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ وَنَعْمَلَ بِكِتَابِنَا . فَقَضَى اللهَ تَعَالَى بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ . وَقَالَ لَهُمْ لَيْسَ فَضْلُ الدِّينِ وَشَرَفُهُ ، وَلاَ نَجَاةُ أَهْلِهِ تَكُونُ بِأنْ يَقُولَ القَائِلُ مِنْهُمْ إنَّ دِينِي أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ ، بَلْ عَلَيهِ أَنْ يَعْمَل بِمَا يَهْدِيهِ إليهِ دِينُهُ ، فَإنَّ الجَزَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى العَمَلِ ، لاَ عَلَى التَّمَنِّي وَالغُرُورِ ، فَلَيْسَ أَمْرُ نَجَاتِكُمْ ، وَلاَ نَجَاةِ أَهْلِ الكِتَابِ ، مَنُوطًا بِالأَمَانِي فِي الدِّينِ ، فَالأَدْيَانُ لَمْ تُشَرَّعْ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّبَاهِي ، وَلاَ تَحْصَلُ فَائِدَتُهَا بِالانْتِسَابِ إِلَيهَا ، دُونَ العَمَلِ بِهَا . فَالعِبْرَةُ بِطَاعَةِ اللهِ ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ الذِي جَاءَ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ الكِرَامِ ، فَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا ، مِنْ أَيِّ دِينٍ كَانَ يَجِدْ جَزَاءَهُ ، وَلَنْ يَنْصرَهُ أَحَدٌ مِنْ بَأْسِ اللهِ ، وَلَنْ يُجِيرَهُ أَحَدٌ مِنْ سُوءِ العَذَابِ ، فَعَلَى الصَّادِقِ فِي دِينِهِ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى العَمَلِ بِمَا هَدَاهُ إليهِ كِتَابُه وَرُسُلُهُ .
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى عَمَلًا صَالِحًا ، وَهُوَ مُطْمَئِنُ القَلْبِ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، فَإِنَّ اللهَ يُكَافِئُهُ عَلَى أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ بِإِدْخَالِهِ الجَنَّةَ ، وَلاَ يُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ وَلَوْ كَانَ شَيْئًا بَسِيطًا جِدًّا ( نَقِيرًا ) .
وقال السعدي:"أي: { لَيْسَ } الأمر والنجاة والتزكية { بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها. وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟!"
فإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا: { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى.
وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ولهذا قال تعالى: { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } وهذا شامل لجميع العاملين، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضا لكل جزاء قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي.
والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فمن كان عمله كله سوءا وذلك لا يكون إلا كافرا. فإذا مات من دون توبة جوزي بالخلود في العذاب الأليم.
ومن كان عمله صالحا، وهو مستقيم في غالب أحواله، وإنما يصدر منه بعض الأحيان بعض الذنوب الصغار فما يصيبه من الهم والغم والأذى و [بعض] الآلام في بدنه أو قلبه أو حبيبه أو ماله ونحو ذلك - فإنها مكفرات للذنوب، وهي مما يجزى به على عمله، قيضها الله لطفا بعباده، وبين هذين الحالين مراتب كثيرة.
وهذا الجزاء على عمل السوء العام مخصوص في غير التائبين، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما دلت على ذلك النصوص.
وقوله: { وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع يدفع عنه ما استحقه، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب، إلا ربه ومليكه.
{ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } دخل في ذلك سائر الأعمال القلبية والبدنية، ودخل أيضا كل عامل من إنس أو جن، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى. ولهذا قال: { مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } وهذا شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل ولا يترتب عليها الثواب ولا يندفع بها العقاب إلا بالإيمان.
فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به.
{ فَأُولَئِكَ } أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } المشتملة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } أي: لا قليلا ولا كثيرا مما عملوه من الخير، بل يجدونه كاملا موفرا، مضاعفا أضعافا كثيرة.""
لقد كان اليهود والنصارى يقولون: { نحن أبناء الله وأحباؤه } وكانوا يقولون: { لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة } وكان اليهود ولا يزالون يقولون: إنهم شعب الله المختار!
ولعل بعض المسلمين كانت تراود نفوسهم كذلك فكرة أنهم خير أمة أخرجت للناس . وأن الله متجاوز عما يقع منهم . . بما أنهم المسلمون . .
فجاء هذا النص يرد هؤلاء وهؤلاء إلى العمل ، والعمل وحده . ويرد الناس كلهم إلى ميزان واحد . هو إسلام الوجه لله - مع الإحسان - واتباع ملة إبراهيم وهي الإسلام . إبراهيم الذي اتخذه الله خليلًا . .
فأحسن الدين هو هذا الإسلام - ملة إبراهيم - وأحسن العمل هو « الإحسان » . . والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . وقد كتب الإحسان في كل شيء حتى في إراحة الذبيحة عند ذبحها ، وحد الشفرة؛ حتى لا تعذب وهي تذبح!
وفي النص تلك التسوية بين شقي النفس الواحدة؛ في موقفهما من العمل والجزاء؛ كما أن فيه شرط الإيمان لقبول العمل ، وهو الإيمان بالله: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى - وهو مؤمن - فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرًا } ..وهو نص صريح على وحدة القاعدة في معاملة شقي النفس الواحدة - من ذكر أو أنثى . كما هو نص صريح في اشتراط الإيمان لقبول العمل . وأنه لا قيمة عند الله لعمل لا يصدر عن الإيمان . ولا يصاحبه الإيمان . وذلك طبيعي ومنطقي . لأن الإيمان بالله هو الذي يجعل العمل الصالح يصدر عن تصور معين وقصد معلوم؛ كما يجعله حركة طبيعية مطردة ، لا استجابة لهوى شخصي ، ولا فلتة عابرة لا تقوم على قاعدة . .
وهذه الألفاظ الصريحة تخالف ما ذهب إليه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله في تفسير جزء « عم » عند قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره } إذ رأى النص لعمومه هذا يشمل المسلم وغير المسلم . بينما النصوص الصريحة الأخرى تنفي هذا تمامًا . وكذلك ما رآه الأستاذ الشيخ المراغي - رحمه الله . وقد أشرنا إلى هذه القصة في جزء عم ( الجزء الثلاثين من الظلال ) .
ولقد شق على المسلمين قول الله لهم: { ومن يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا } . .
فقد كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية؛ ويعرفون أنها لا بد أن تعمل سوءًا . مهما صلحت ، ومهما عملت من حسنات .
كانوا يعرفون النفس البشرية - كما هي في حقيقتها - وكانوا من ثم يعرفون أنفسهم . . لم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها؛ ولم يخفوا عن أنفسهم سيئاتها؛ ولم يتجاهلوا ما يعتور نفوسهم من ضعف أحيانًا ، ولم ينكروا أو يغطوا هذا الضعف الذي يجدونه . ومن ثم ارتجفت نفوسهم ، وهم يواجهون بأن كل سوء يعملونه يجزون به . ارتجفت نفوسهم كالذي يواجه العاقبة فعلًا ويلامسها ، وهذه كانت ميزتهم . أن يحسوا الآخرة على هذا النحو ، ويعيشوا فيها فعلًا بمشاعرهم كأنهم فيها . لا كأنها آتية لا ريب فيها فحسب! ومن ثم كانت رجفتهم المزلزلة لهذا الوعيد الأكيد!
قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالله بن نمير ، حدثنا إسماعيل ، « عن أبي بكر بن أبي زهير ، قال: » أخبرت أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: « يا رسول ، الله كيف الفلاح بعد هذه الآية؟ { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به } . . فكل سوء عملناه جزينا به . . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - » غفر الله لك يا أبا بكر . ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ « قال بلى! قال: فهو مما تجزون به » . ورواه الحاكم عن طريق سفيان الثوري عن إسماعيل .وروى أبو بكر بن مردويه - بإسناده - إلى « ابن عمر ، يحدث عن أبي بكر الصديق . قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية: { من يعمل سوءًا يجز به ، ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا } فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: » يا أبا بكر ، ألا أقرئك آية نزلت علي؟ « قال: قلت يا رسول الله فأقرأنيها . . فلا أعلم أني قد وجدت انفصامًا في ظهري ، حتى تمطيت لها! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: » مالك يأ أبا بكر « فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وأينا لم يعمل السوء ، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فإنكم تجزون بذلك في الدنيا ، حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب . وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة » ( وكذا رواه الترمذي ) .
وروى ابن أبى حاتم - بإسناده - « عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن . فقال: » ما هي يا عائشة؟ « قلت: { من يعمل سوءًا يجز به } فقال . ما يصيب العبد المؤمن ، حتى النكبة ينكبها » ( ورواه ابن جرير ) .
وروى مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة - بإسناده - « عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لما نزلت: { من يعمل سوءًا يجز به } شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة . حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها » .
على أية حال لقد كانت هذه حلقة في إنشاء التصور الإيماني الصحيح عن العمل والجزاء . ذات أهمية كبرى في استقامة التصور من ناحية ، واستقامة الواقع العملي من ناحية أخرى . ولقد هزت هذه الآية كيانهم ، ورجفت لها نفوسهم ، لأنهم كانوا يأخذون الأمر جدًا . ويعرفون صدق وعد الله حقًا . ويعيشون هذا الوعد ويعيشون الآخرة وهم بعد في الدنيا .
وفي الختام يجيء التعقيب على قضية العمل والجزاء ، وقضية الشرك قبلها والإيمان ، برد كل ما في السماوات والأرض لله ، وإحاطة الله بكل شيء في الحياة وما بعد الحياة: { ولله ما في السماوات وما في الأرض ، وكان الله بكل شيء محيطًا } .
وإفراد الله سبحانه بالألوهية يصاحبه في القرآن كثيرًا إفراده سبحانه بالملك والهيمنة - والسلطان والقهر ، فالتوحيد الإسلامي ليس مجرد توحيد ذات الله . وإنما هو توحيد إيجابي . توحيد الفاعلية والتأثير في الكون ، وتوحيد السلطان والهيمنة أيضًا .
ومتى شعرت النفس أن لله ما في السموات وما في الأرض .
وأنه بكل شيء محيط ، لا يند شيء عن علمه ولا عن سلطانه . . كان هذا باعثها القوي إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والعبادة؛ وإلى محاولة إرضائه باتباع منهجه وطاعة أمره . . وكل شيء ملكه . وكل شيء في قبضته . وهو بكل شيء محيط .
وبعض الفلسفات تقرر وحدانية الله . ولكن بعضها ينفي عنه الإرداة . وبعضها ينفي عنه العلم . وبعضها ينفي عنه السلطان . وبعضها ينفي عنه الملك . . إلى آخر هذا الركام الذي يسمى « فلسفات! » . . ومن ثم يصبح هذا التصور سلبيًا لا فاعلية له في حياة الناس ، ولا أثر له في سلوكهم وأخلاقهم؛ ولا قيمة له في مشاعرهم وواقعهم . . كلام! مجرد كلام!
إن الله في الإسلام ، له ما في السموات وما في الأرض . فهو مالك كل شيء . . وهو بكل شيء محيط . فهو مهيمن على كل شيء . . وفي ظل هذا التصور يصلح الضمير . ويصلح السلوك . وتصلح الحياة . .
وقال تعالى: { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) } [النساء/162]
لِكِن الثَّابِتُونَ فِي العِلْمِ ، مِنَ اليَهُودِ ، وَالمُؤْمِنُونَ مِنْ أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ ، يُصَدِّقُونَ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْكَ ، وَمَا أُوْحِيَ إلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ . وَالذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ حَقَّ أَدَائِهَا ، وَيَدْفَعُونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ ، وَيُصَدِّقُونَ بِاللهِ وَبِالبَعْثِ وَالحِسَابِ ، فَهَؤُلاءِ جَمِيعًا سَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمُ الجَنَّةَ ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ . ( خَصَّ اللهُ تَعَالَى المُقِيمِينَ الصَّلاَةَ بِالمَدْحِ فَنَصَبَ( المُقِيمِينَ ) عَلَى المَدْحِ ، لأنَّ الذِي يُقيمُ الصَّلاَةَ عَلى الوَجْهِ الأَكْمَلِ لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ ) .
فالعلم الراسخ ، والإيمان المنير ، كلاهما يقود أهله إلى الإيمان بالدين كله . كلاهما يقود إلى توحيد الدين الذي جاء من عند الله الواحد .
وذكر العلم الراسخ بوصفه طريقًا إلى المعرفة الصحيحة كالإيمان الذي يفتح القلب للنور ، لفتة من اللفتات القرآنية التي تصور واقع الحال التي كانت يومذاك؛ كما تصور واقع النفس البشرية في كل حين . فالعلم السطحي كالكفر الجاحد ، هما اللذان يحولان بين القلب وبين المعرفة الصحيحة . . ونحن نشهد هذا في كل زمان . فالذين يتعمقون في العلم ، ويأخذون منه بنصيب حقيقي ، يجدون أنفسهم أمام دلائل الإيمان الكونية؛ أو على الأقل أمام علامات استفهام كونية كثيرة ، لا يجيب عليها إلا الاعتقاد بأن لهذا الكون إلهًا واحدًا مسيطرًا مدبرًا متصرفًا ، وذا إرادة واحدة ، وضعت ذلك الناموس الواحد . . وكذلك الذين تتشوق قلوبهم للهدى - المؤمنون - يفتح الله عليهم ، وتتصل أرواحهم بالهدى . . أما الذين يتناوشون المعلومات ويحسبون أنفسهم علماء ، فهم الذين تحول قشور العلم بينهم وبين إدراك دلائل الإيمان ، أو لا تبرز لهم - بسبب علمهم الناقص السطحي - علامات الاستفهام . وشأنهم شأن من لا تهفو قلوبهم للهدى ولا تشتاق . . وكلاهما هو الذي لا يجد في نفسه حاجة للبحث عن طمأنينة الإيمان ، أو يجعل التدين عصبية جاهلية فيفرق بين الأديان الصحيحة التي جاءت من عند ديان واحد ، على أيدي موكب واحد متصل من الرسل ، صلوات الله عليهم أجمعين
وقد ورد في التفسير المأثور أن هذه الإشارة القرآنية تعني - أول من تعني - أولئك النفر من اليهود ، الذين استجابوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكرنا أسماءهم من قبل ، ولكن النص عام ينطبق على كل من يهتدي منهم لهذا الدين ، يقوده العلم الراسخ أو الإيمان البصير . .
ويضم السياق القرآني هؤلاء وهؤلاء إلى موكب المؤمنين ، الذين تعينهم صفاتهم: { والمقيمين الصلاة ، والمؤتون الزكاة ، والمؤمنون بالله واليوم الآخر } .
وهي صفات المسلمين التي تميزهم: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والإيمان بالله واليوم الآخر . . وجزاء الجميع ما يقرره الله لهم . { أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا } . .
ونلاحظ أن { المقيمين الصلاة } تأخذ إعرابًا غير سائر ما عطفت عليه .
وقد يكون ذلك لإبراز قيمة إقامة الصلاة في هذا الموضع على معنى - وأخص المقيمين الصلاة - ولها نظائر في الأساليب العربية وفي القرآن الكريم ، لإبراز معنى خاص في السياق له مناسبة خاصة . وهي هكذا في سائر المصاحف وإن كانت قد وردت مرفوعة: { والمقيمون الصلاة } في مصحف عبدالله بن مسعود .
ــــــــــــــ