فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 139

قال تعالى: { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) } [البقرة/89-93]

وَلَمَّا جَاءَ اليَهُودَ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، هُوَ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ السَّلامُ ، وَمَعَهُ كِتَابٌ مُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، هُوَ القُرآنُ ، يُصَدِّقُ التَّورَاةَ وَأَحْكَامَهَا ، وَيُوَافِقُها فِي التَّوحِيدِ ، وَأُصُولِ الدِّينِ وَمَقَاصِدَهُ ، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَبِالقُرآن ، مَعْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ حَقٌّ ، وَأَنَّ القُرآنَ صِدْقٌ ، وَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ ، يَقُولُونَ لِمُشْرِكِي المَدِينَةِ إِنَّ كُتُبَهُمْ تُشِيرُ إِلى مَبْعَثِ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ ، وَإِنَّهُم سَيُحَارِبُونَ المُشْرِكِينَ تَحْتَ لِوائِهِ ، وَيَنْتَقِمُونَ مِنْهُمْ ، أَيْ إِنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - المُنْتَظَرِ ، وَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى المُشْرِكِينَ ، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولَ اللهِ اتَّبَعَهُ عَرَبُ المَدِينةِ ، وَكَفَرَ بِهِ اليَهُودُ ، وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الكُفْرِ إِلاَ الحَسَدُ وَالجُحُودُ ، وَالعِنَادُ وَالطَّمَعُ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا الحَقِيرِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ الكَافِرِينَ .

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: بِئْسَمَا اخْتَارَهُ هؤُلاءِ اليَهُودُ لأَنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ، وَيُصَدِّقُوهُ وَيَنْصُرُوهُ ، كَفَرُوا بِهِ وَكَذَّبُوهُ . وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذلِكَ إِلاَّ البَغْيُ وَالحَسَدُ وَالكَرَاهِيَةُ لاخْتِيارِ اللهِ النَّبِيِّ الذِي يُنَزِّلُ عَلَيهِ رِسَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَاسْتَحَقُّوا بِذلِكَ غَضَبًا مِنَ اللهِ لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَقُرْآنِهِ ، كَمَا اسْتَحَقُوا مِنْ قَبْلُ غَضَبَ اللهِ لِكُفْرِهِمْ ، وَلإِعْنَاتِهِمْ مُوسَى ، عَلِيهِ السَّلاَمُ ، ثُمَّ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسَى وَإِنْجِيلِهِ ، وَبِذلِكَ يَكُونُونَ قَدِ استَحَقُّوا غَضَبًا عَلَى غَضَبٍ . وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِهؤلاءِ اليَهُودِ الكَافِرينَ عَذابًا مُهِينًا لَهُمْ ، يَتَمَثَّلُ فِي الدُّنيا بالخِزْي والنَّكَالِ وَسُوءِ الحَالِ ، وَيَتَمَثَّلُ فِي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في نَارِ جَهَنَّمَ .

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إنَّ اليَهُودَ إذا قيلَ لَهُمْ: آمنُوا بِمُحَمَّدٍ وَصَدِّقُوهُ وَاتَّبِعُوهُ ، قَالُوا: يَكْفِينَا الإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ( التَّورَاةُ ) وَلا يُقِرُّونَ بِغَيْرِ ذلِكَ ( وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَ ذلِكَ ) مِمَّا جَاءَ بَعْدَهُ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ هُوَ الحَقُّ ، وَهُوَ يُصَدِّقُ مَا جَاءَتْ بِهِ التَّورَاةُ ، وَأنَّ كُفْرَهُمْ بِالقُرْآنِ وَبِمُحَمَّدٍ هُوَ كُفْرٌ بِكِتَابِهِمْ نَفْسِهِ . وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلًا: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ الإِيمَانَ بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِكُمْ ، فَلِمَاذَا كُنْتُمْ تَقْتُلُونَ أنبيَاءَ اللهِ ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيكُمْ ذلِكَ في كُتُبِكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمْ بِاتِبَاعِهِمْ؟ وَقَتْلُكُمُ الأنْبِيَاءَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلَى أَنَّكُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِرِسَالَةِ رَبِكُمْ . ( وَقَدْ نَسَبَ اللهُ تَعَالَى القَتْلَ للْيَهُودِ الذِينَ كَانُوا في زَمَنِ مَحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلامُ ، مَعَ أَنَّ القَتْلَ ارْتَكَبَهُ أسْلاَفُهُمْ ، وَهذَا يُقْصَدُ بِهِ وَحْدَةُ الأُمَّةِ وَتَكَافُلُها ، وَأنَّها في الطَّبَائِعِ وَالأخْلاَقِ المُشْتَرَكَةِ كَالشَّخْصِ الوَاحِدِ ) .

لَقَدْ كَفَرْتُمْ يَا أيُّهَا اليَهُودُ بِكِتابِكُمْ ، وَرَجْعتُمْ إلى الشِّرْكِ فِي عَهْدِ مُوسَى ، فَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بالآيَاتِ الوَاضِحَاتِ ، والمُعْجِزَاتِ ( البَيِّنَاتِ ) ، وَالدَّلائِلِ القَاطِعَاتِ عَلى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ ، وَعَلَى أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ ، وَعَلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ، وَلَكِنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مَعْبُودًا مِنْ دُونِ اللهِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ مُوسَى لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ فِي جَبَلِ الطُّورِ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ ، فِعِبَادَتُكُمْ غَيْرَهَ ظُلْمٌ كَبِيرٌ ، وَكُفْرانٌ بِالنِّعَمِ .

( والآيَاتُ التي جَاءَ بِهَا مُوسَى عَلَيه السَّلامُ: هِيَ العَصَا وَاليَدُ وَالطُّوفَانُ وَالجَرَادُ وَالقُمَّلُ وانبِجَاسُ المَاءِ مِنَ الحَجَرِ وانفِلاقُ البَحْرِ ، والغَمَامُ والمَنَّ والسَّلْوى والدَّمُ ) .

{ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } . .

وهو تصرف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته . . ومن ثم يصب عليهم اللعنة ويصمهم بالكفر: { فلعنة الله على الكافرين } . .

ويفضح السبب الخفي لهذا الموقف الشائن الذي وقفوه؛ بعد أن يقرر خسارة الصفقة التي اختاروها:

{ بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله ، بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . فباؤوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين } . .

بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا . . . لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما ، يكثر أو يقل . أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها ولكن هذا هو الواقع . وإن بدا تمثيلًا وتصويرًا . لقد خسروا أنفسهم في الدنيا فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة بما ينتظرهم من العذاب المهين . وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر ، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه!

وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم ، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . وكان هذا بغيًا منهم وظلمًا فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب؛ وهناك ينتظرهم عذاب مهين ، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم .

وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود ، طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب شديد؛ وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها؛ ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى ، التي تربط البشرية جميعًا .. وهكذا عاش اليهود في عزلة ، يحسون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة؛ ويتربصون بالبشرية الدوائر؛ ويكنون للناس البغضاء ، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن ، ويذيقون البشرية رجع هذه الأحقاد فتنًا يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض ، وحروبًا يثيرونها ليجروا من ورائها المغانم ، ويروون بها أحقادهم التي لا تنطفىء ، وهلاكًا يسلطونه على الناس ، ويسلطه عليهم الناس . . وهذا الشر كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: { بغيًا . . أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده } . .

{ وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا ، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاَ لما معهم } . .

وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن وبالإسلام . كانوا يقولون { نؤمن بما أنزل علينا } . . ففيه الكفاية ، وهو وحده الحق ، ثم يكفرون بما وراءه . سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام ، وما جاءهم به محمد خاتم النبيين .

والقرآن يعجب من موقفهم هذا ، ومن كفرهم بما وراء الذي معهم { وهو الحق مصدقًا لما معهم }

وما لهم وللحق؟ وما لهم أن يكون مصدقًا لما معهم! ما داموا لم يستأثروا هم به؟ إنهم يعبدون أنفسهم ، ويتعبدون لعصبيتهم . لا بل إنهم ليعبدون هواهم ، فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به . . ويلقن الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بهذه الحقيقة ، كشفًا لموقفهم وفضحًا لدعواهم: { قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين؟ } . .

لم تقتلون أنبياء الله من قبل ، إن كنتم حقًا تؤمنون بما أنزل إليكم؟ وهؤلاء الأنبياء هم الذين جاؤوكم بما تدعون أنكم تؤمنون به؟

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت