قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200)
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ أنْ يَصْبِرُوا عَلَى دِينِهِمُ الذِي ارْتَضَاهُ اللهُ لَهُمْ ، وَهُوَ الإِسْلاَمُ ، فَلاَ يَدَعُونَهُ لِشِدَّةٍ وِلاَ لِرَخَاءٍ ، حَتَّى يَمُوتُوا مُسْلِمِينَ . وَالمُرَابَطَةِ هِيَ المَرَابَطَةِ فِي الثُّغُورِ لِلْغَزْوِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -"رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا وَمَا عَلَيهَا".
وَقَالَ اِبْن جَرِير: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ حَدَّثَنَا مَالِك بْن زَيْد بْن أَسْلَم قَالَ: كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَة إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب يَذْكُر لَهُ جُمُوعًا مِنْ الرُّوم وَمَا يَتَخَوَّف مِنْهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر: أَمَّا بَعْد فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِل بِعَبْدٍ مُؤْمِن مِنْ مَنْزِلَة شِدَّة يَجْعَل اللَّه لَهُ بَعْدهَا فَرَجًا وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"وَهَكَذَا رَوَى الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم اِبْن أَبِي سُكَيْنَة قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك هَذِهِ الْأَبْيَات بِطَرَسُوس وَوَدَّعْته لِلْخُرُوجِ وَأَنْشَدَهَا مَعِي إِلَى الْفُضَيْل بْن عِيَاض فِي سَنَة سَبْعِينَ وَمِائَة وَفِي رِوَايَة سَنَة سَبْع وَسَبْعِينَ وَمِائَة.
يَا عَابِد الْحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتنَا ... لَعَلِمْت أَنَّك فِي الْعِبَادَة تَلْعَب
مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خَدّه بِدُمُوعِهِ ... فَنُحُورنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّب
أَوْ كَانَ يُتْعِب خَيْلَهُ فِي بَاطِل ... فَخُيُولنَا يَوْم الصَّبِيحَة تَتْعَب
رِيح الْعَبِير لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرنَا ... رَهْج السَّنَابِك وَالْغُبَار الْأَطْيَب
وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَال نَبِيّنَا ... قَوْل صَحِيح صَادِق لَا يُكْذَب
لَا يَسْتَوِي غُبَار خَيْل اللَّه فِي ... أَنْف اِمْرِئٍ وَدُخَان نَار تَلْهَبُ
هَذَا كِتَاب اللَّه يَنْطِق بَيْننَا ... لَيْسَ الشَّهِيد بِمَيِّتٍ لَا يُكْذَب
والصبر معناه: حبس النفس عن أهوائها وشهواتها وترويضها على تحمل المكره وتعويدها على أداء الطاعات .
والمصابرة: هى المغالبة بالصبر: بأن يكون المؤمن أشد صبرًا من عدوه .
ورابطوا: من المرابطة وهى القيام على الثغور الإسلامية لحمياتها من الأعداء ، فهى استعداد ودفاع وحماية لديار الإسلام من مهاجمة الأعداء .
والمعنى: { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا } على طاعة الله وعلى تحمل المكاره والآلام برضا لا سخط معه؛ فإن الصبر جماع الفضائل وأساس النجاح والظفر .
و { وَصَابِرُواْ } أى قابلوا صبر أعدائكم بصبر أشد منه وأقوى في كل موطن من المواطن التى تستلزم الصبر وتقتضيه .
قال صاحب الكشاف: { وَصَابِرُواْ } أعداء الله في الجهاد ، أى غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ، ولا تكونوا أقل منهم صبرًا وثباتًا فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصًا لشدته وصعبوته"."
و { وَرَابِطُواْ } أى أقيموا على مرابطة الغزو في نحر العدو بالترصد له ، والاستعداد لمحاربته وكونوا دائما على حذر منه حتى لا يفاجئكم بما تكرهون .
ولقد كان كثير من السلف الصالح يرابطون في سبيل الله نصف العام ، ويطلبون قوتهم بالعمل في النصف الآخر
ولقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى وردت في فضل المرابطة من أجل حماية ديار الإسلام ، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن سهل ابن سعد الساعدى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها".
وروى مسلم عن سلمان الفارسى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله الذى كان يعمله ، وأجرى عليه رزقه ، وأمن الفتان".
"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة . فذلكم الرباط".
قال القرطبى: بعد أن ساق هذا الحديث -:"والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله - وأصلها من ربط الخيل ، ثم سمى كل ملازم لثغر من ثغور المسلمين مرابطا فارسا كان أو راجلا . واللفظ مأخوذ من الرب . وقول النبى - صلى الله عليه وسلم -"فذلكم الرباط"إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله".
وقوله { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أى اتقوا الله بأن تصونوا أنفسكم عن محارمه وعن مخالفة أمره ، ورجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر في الدنيا ، والثواب الحسن في الآخرة .
وبعد: فهذه سورة آل عمران ، وهذا تفسير مفصل لما اشتملت عليه من توجيهات نافعة وعظات بليغة ، وآداب عالية وتشريعات سامية و تربية رشيدة وعبادات قويمة وحجج تثبت الحق وتدحض الباطل .
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ونافعا لعباده
ــــــــــــــ