قال تعالى: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (51) سورة القلم
وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ يَنْظُرُونَ إِليكَ شَذَرًا مِنْ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ ، وَكُرْهِهِمْ لَكَ ، حَتَّى لَيَكَادُونَ أَنْ يُزْلِقُوا قَدَمَكَ حَسَدًا وَبٌغْضًا ، حِينَ سَمِعُوكَ تَتْلُو القُرْآنَ . وَيَقُولُونَ لِحيرَتِهِمْ فِي أَمْرِ هَذَا القُرْآنِ ، وَجَهْلِهِمْ بِمَا فِيهِ: إِنَّ مُحَمَدًا لَمَجْنُونٌ .فهذه النظرات تكاد تؤثر في أقدام الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتجعلها تزل وتزلق وتفقد توازنها على الأرض وثباتها !
وهو تعبير فائق عما تحمله هذه النظرات من غيظ وحنق وشر وحسد ونقمة وضغن , وحمى وسم .
مصحوبة هذه النظرات المسمومة المحمومة بالسب القبيح , والشتم البذيء , والافتراء الذميم: (ويقولون:إنه لمجنون) . .
وهو مشهد تلتقطه الريشة المبدعة وتسجله من مشاهد الدعوة العامة في مكة . فهو لا يكون إلا في حلقة عامة بين كبار المعاندين المجرمين , الذين ينبعث من قلوبهم وفي نظراتهم كل هذا الحقد الذميم المحموم !
يعقب عليه بالقول الفصل الذي ينهي كل قول: (وما هو إلا ذكر للعالمين) .
والذكر لا يقوله مجنون , ولا يحمله مجنون . .
وصدق الله وكذب المفترون . .
ولا بد قبل نهاية الحديث من لفتة إلى كلمة (للعالمين) . .
هنا والدعوة في مكة تقابل بذلك الجحود , ويقابل رسولها بتلك النظرات المسمومة المحمومة , ويرصد المشركون لحربها كل ما يملكون . .
وهي في هذا الوقت المبكر , وفي هذا الضيق المستحكم , تعلن عن عالميتها . كما هي طبيعتها وحقيقتها . فلم تكن هذه الصفة جديدة عليها حين انتصرت في المدينة - كما يدعي المفترون اليوم - إنما كانت صفة مبكرة في أيام مكة الأولى . لأنها حقيقة ثابتة في صلب هذه الدعوة منذ نشأتها .
كذلك أرادها الله . وكذلك اتجهت منذ أيامها الأولى . وكذلك تتجه إلى آخر الزمان . والله الذي أرادها كما أرادها هو صاحبها وراعيها . وهو المدافع عنها وحاميها . وهو الذي يتولى المعركة مع المكذبين . وليس على أصحابها إلا الصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين . (الظلال)
ــــــــــــــ