فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 139

قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) [المائدة/68]

قُلْ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا تُبَلِّغُهُمْ إيَّاهُ عَنْ رَبِّهِمْ: لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالهُدَى حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الكُتُبِ المُنْزَلَةِ ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا ، وَمِنْهَا الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ ، وَالأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ ، وَالإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ ، وَالاقْتِدَاءِ بِشَرِيعَتِهِ ، وَسَيُثِيرُ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، مِنَ القُرْآنِ وَالهُدَى ، كَثِيرًا مِنَ الحَسَدِ وَالحِقْدِ وَالطُّغْيَانِ وَالكُفْرِ فِي نُفُوسِ الكَثِيرِينَ مِنْ هَؤُلاَءِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْتَمَّ بِذَلِكَ ، أَوْ تَحْزَنَ لَهُ .

وقال السعدي:

"أي: قل لأهل الكتاب، مناديا على ضلالهم، ومعلنا بباطلهم: { لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ } من الأمور الدينية، فإنكم لا بالقرآن ومحمد آمنتم، ولا بنبيكم وكتابكم صدقتم، ولا بحق تمسكتم، ولا على أصل اعتمدتم { حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ } أي: تجعلوهما قائمين بالإيمان بهما واتباعهما، والتمسك بكل ما يدعوان إليه."

{ و } تقيموا { ما أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ } الذي رباكم، وأنعم عليكم، وجعل أجلَّ إنعامه إنزالَ الكتب إليكم. فالواجب عليكم، أن تقوموا بشكر الله، وتلتزموا أحكام الله، وتقوموا بما حملتم من أمانة الله وعهده.""

حينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان . . بل ليسوا على شيء أصلًا يرتكن عليه! حينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة ، كانوا يتلون كتبهم؛ وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية؛ وكانوا يقولون: إنهم مؤمنون . . ولكن التبليغ الذي كلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم به ، لم يعترف لهم بشيء أصلًا الا مما كانوا يزعمون لأنفسهم ، لأن « الدين » ، ليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتبًا تقرأ وترتل؛ وليس صفة تورث وتدعى . إنما الدين منهج حياة . منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير ، والعبادة الممثلة في الشعائر ، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج . . ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه ، فقد كلف « الرسول » - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين؛ وليسوا على شيء أصلًا من هذا القبيل!

وإقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ، مقتضاها الأول الدخول في دين الله الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكل رسول ويعزروه وينصروه . وصفة محمد وقومه عندهم في التوراة وعندهم في الإنجيل - كما أخبر الله وهو أصدق القائلين - فهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم: ( سواء كان المقصود بقوله: { وما أنزل إليهم من ربهم } هو القرآن - كما يقول بعض المفسرين - أو هو الكتب الأخرى التي أنزلت لهم كزبور داود ) . . نقول إنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم إلا أن يدخلوا في الدين الجديد ، الذي يصدق ما بين يديهم ويهيمن عليه . . فهم ليسوا على شيء - بشهادة الله سبحانه - حتى يدخلوا في الدين الاخير . . والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كلف أن يواجههم بهذا القرار الإلهي في شأنهم؛ وأن يبلغهم حقيقة صفتهم وموقفهم؛ وإلا فما بلغ رسالة ربه . . ويا له من تهديد!

وكان الله - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة ، وبهذه الكلمة الفاصلة ، ستؤدي إلى أن تزيد كثيرًا منهم طغيانًا وكفرًا ، وعنادًا ولجاجًا . . ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بها؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والظلال والشرود بسبب مواجهتهم بها؛ لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق .فيهتدي من يهتدي عن بينة ، ويضل من يضل عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة: { وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا ، فلا تأس على القوم الكافرين } . .

وكان الله - سبحانه - يرسم للداعية بهذه التوجيهات منهج الدعوة؛ ويطلعه على حكمة الله في هذا المنهج؛ ويسلي قلبه عما يصيب الذين لا يهتدون ، إذا هاجتهم كلمة الحق فازدادوا طغيانًا وكفرًا؛ فهم يستحقون هذا المصير البائس؛ لأن قلوبهم لا تطيق كلمة الحق؛ ولا خير في أعماقها ولا صدق . فمن حكمة الله أن تواجه بكلمة الحق؛ ليظهر ما كمن فيها وما بطن؛ ولتجهر بالطغيان والكفر؛ ولتستحق جزاء الطغاة والكافرين!

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت