فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 139

إن الإسلام يكره الخيانة ، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود؛ ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة . . إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ؛ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة ، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة . . وليس مسلمًا من يبرر الوسيلة بالغاية ، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية ، لأنه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات .. إن الشط الممرع لا يغري المسلم بخوض بركة من الوحل ، فإن الشط الممرع لا بد أن تلوثه الأقدام الملوثة في النهاية . . من أجل هذا كله يكره الله الخائنين ويكره الله الخيانة: { إن الله لا يحب الخائنين } . .

ويجب أن نذكر أن هذه الأحكام كانت تتنزل والبشرية بجملتها لا تتطلع إلى مثل هذا الأفق المشرق . لقد كان قانون الغابة هو قانون المتحاربين حتى ذلك الزمان . قانون القوة التي لا تتقيد بقيد متى قدرت . ويجب أن نذكر كذلك أن قانون الغابة هو الذي ظل يحكم المجتمعات الجاهلية كلها بعد ذلك إلى القرن الثامن عشر الميلادي حيث لم تكن أوربا تعرف شيئًا عن المعاملات الدولية إلا ما تقتبسه في أثناء تعاملها مع العالم الإسلامي . ثم هي لم ترتفع قط حتى اللحظة إلى هذا الأفق في عالم الواقع؛ حتى بعد ما عرفت نظريًا شيئًا اسمه القانون الدولي! وعلى الذين يبهرهم « التقدم الفني في صناعة القانون » أن يدركوا حقيقة « الواقع » بين الإسلام والنظم المعاصرة جميعًا!

وقال تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) ْ [التوبة/7-13]

يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى الحِكْمَةَ مِنَ البَرَاءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وَعُهُودِهِمْ ، وَمِنْ نَظِرَتِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَيَقُولُ تَعَالَى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ ، وَيَتْرُكُونَ فِيمَا هُمْ فِيِهِ مِنَ الشِّرْكِ ، وَالكُفْرِ بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ ، وَهُمْ إِذَا تَمَكَّنُوا مِنَ المُسْلِمِينَ ، وَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ ، لاَ يَرْعَوْنَ فِيهِم قَرَابَةً وَلاَ عَهْدًا؟

أَمَّا الذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ ( يَوْمَ الحُدَيبِيَةِ ) ، فَمَا اسْتَمْسَكُوا بِالعَهْدِ ، وَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ ، فَتَمَسَّكُوا أَنْتُمْ بِهِ ، وَأَوْفُوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ، الذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى عُهُودِهِمْ .

وَقَدِ اسْتَمَرَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُحَافِظًا عَلَى عَهْدِهِ مَعَ قُرَيْشٍ حَتَّى نَقَضَتْهُ هِيَ ، وَسَاعَدَتْ بَنِي بَكْرٍ أَحْلاَفَهَا ، عَلَى خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ الرَّسُولِ ، فَسَارَ النَّبِيُّ إِلَى قُرَيْشٍ وَفَتَحَ مَكَّةَ .

يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى الأَسْبَابَ التِي تَدْعُو إلَى أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ، ذَلِكَ لأنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللهِ وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ ، وَلأَنَّهُمْ إِذِ انْتَصَرُوا عَلَى المُسْلِمِينَ ، وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ، اجْتَثُوهُمْ وَلَمْ يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَرْقُبُوا فِي المُسْلِمِينَ قَرَابَةً ، وَلا عَهْدًا ، فِي نَقْضِ العَهْدِ وَالمِيثَاقِ ، وَهَؤُلاَءِ يَخْدَعُونَ المُؤْمِنِينَ بِكَلاَمِهِمِ المَعْسُولِ ، وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ خَارِجُونَ عَنِ الحَقِّ ، نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ .

اعْتاضُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللهِ بِمَا التَهَوا بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيا الخَسِيسَةِ ، فَمَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ ، وَعَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ ، وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ فَبِئْسَ العَمَلِ عَمَلُهُمْ ، وَسَاءَ مَا عَمِلُوا مِنِ اشْتِرَاءِ الكُفْرِ بِالإِيمَانِ ، وَالضَّلاَلَةِ بِالهُدَى .

وَيَجْعَلُهُمْ كُفْرُهُمْ لاَ يَرْعَوْنَ فِي مُؤْمِنٍ ، يَقْدِرُونَ عَلَى الفَتْكِ بِهِ ، قَرَابةً تَقْتَضِي الودَّ ، وَلا ذِمَّةً تُوجِبُ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ ، وَلا رِبًّا يحُرَمِّ ُالخِيَانَةَ وَالغَدْرَ ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ المُتَجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي الظُّلْمِ .

فَإِذَا انْتَهُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ، وَتَابُوا وَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ ، وَأَدُّوا الصَّلاَةَ حَقَّ أَدَائِهَا ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ ، فَحِينَئذٍ يُصْبِحُونَ إِخْوَانًا لَكُمْ فِي الدِّينِ ، وَاللهُ يُفَصِّلُ الآيَاتِ ، وَيُوَضِّحُهَا لِقَوْمٍ يَِعْلَمُونَ مَا بَيَّنَ اللهُ لَهُمْ مِنَ الحِجَجِ وَالبَرَاهِينِ وَالآيَاتِ ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا .

وَإِنْ نَكَثَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ ، الذِينَ عَاهَدْتُمُوهُمْ ، عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهَمْ ( أَيْمَانَهُمْ ) ، وَعَابُوا دِينَكُمْ وَانْتَقَصُوهُ ( طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ) ، فَقَاتِلُوا زُعَمَاءَ الكُفْرِ وَأَئِمَّتَهُ ، لأنَّهُمْ لاَ عُهُودَ لَهُمْ وَلاَ مَوَاثِيقَ ، لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ عَنِ الكُفْرِ إِنْ قَاتَلتُمُوهُمْ . ( وَمِنْ هَذِهِ الآيَةِ شُرِعَ قَتْلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَنْ طَعَنَ فِي دِينِ الإِسْلاَمِ ) .

يَحُضُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ المُشْرِكِينَ ، الذِينَ يَنْكُثُونَ عَهْدَهُمْ ، وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ أَنْ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ ، وَهُمُ الذِينَ بَدَؤُوكُمْ بِالقِتَالِ أوَّلَ مَرَّةٍ ، إِذْ خَرَجُوا إلَى بَدْرٍ لِنُصْرَةِ عِيرِهِمْ وَإِنْقَاذِهَا ، ثُمَّ يَطْلُبُ اللهُ تَعَالَى إِلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يَخْشَوا الكُفْرَ وَأَهْلَهُ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الذِي يَسْتَحِقُّ الخَشْيَةَ وَالخَوْفَ مِنْهُ هُوَ اللهُ ذُو السَطْوَةِ وَالعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ . فَالمُؤْمِنُونَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا غَيْرَ اللهِ ، وَلاَ يَخَافُونَ سِوَاهُ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ .

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الكُفَّارِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُ تَعَالَى سَيُعَذِّبُهُمْ بِأَيْدِي المُؤْمِنِينَ ، وَيُمَكِّنُ المُؤْمِنِينَ مِنْ رِقَابِهِمْ ، وَيُخْزِيهِمْ وَيُذِلُّهُمْ بَالأَسْرِ وَالقَهْرِ وَالهَزِيمَةِ ، وَيَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِمْ ، وَيَشْفِي صُدُورَ قَوْمٍ اعْتَدَى الكَافِرُونَ عَلَيْهِم ، ( مِثْلِ خُزَاعَة ، وَالمُسْتَضْعَفِينَ فِي مَكَّةَ الذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا اللِّحَاقَ بِإِخْوَانِهِم المُؤْمِنِينَ إلى دَارِ الهِجْرَةِ ) .

لما انتهى في مجموعة الآيات السابقة إلى تقرير الأحكام النهائية الأخيرة بين المجتمع المسلم والباقين من المشركين في الجزيرة ، وهي تعني إنهاء حالة التعاهد والمهادنة معهم جميعًا . . بعضهم بعد مهلة أربعة أشهر ، وبعضهم بعد انتهاء مدتهم . . حيث يؤول الأمر بعد هذه الأحكام إلى حالتين اثنتين: توبة وإقامة للصلاة وإيتاء للزكاة - أي دخول في الإسلام وأداء لفرائضه - أو قتال وحصار وأسر وإرصاد لما انتهى إلى الأمر بإنهاء حالة التعاقد على ذلك الوجه أخذ في هذه المجموعة الجديدة من الآيات يقرر - عن طريق الاستفهام الاستنكاري - أنه لا ينبغي ولا يجوز وليس من المستساغ أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله . وهو استنكار للمبدأ في ذاته؛ واستبعاد له من أساسه! بقوله تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله } .

ولما كان هذا الاستنكار في هذه المجموعة التالية في السياق للمجموعة الأولى ، قد يفهم منه نسخ ما كان قد تقرر في المجموعة الأولى من إمهال ذوي العهود الموفين بعهودهم الذين لم ينقصوا المسلمين شيئًا ولم يظاهروا عليهم أحدًا إلى مدتهم . . فقد عاد يقرر هذا الحكم مرة أخرى بقوله: { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، إن الله يحب المتقين } .

.وجاءت في هذا التوكيد الجديد زيادة بيان . . إذ كان الأمر الأول مطلقًا بالوفاء بعهود من استقاموا على عهودهم إلى مدتهم . . فجاء هذا التوكيد يقيد هذا الإطلاق بأن هذا الوفاء مرهون باستقامتهم في المستقبل إلى نهاية المدة كذلك كما استقاموا في الماضي . وهي دقة بالغة في صياغة النصوص في هذه العلاقات والمعاملات ، وعدم الاكتفاء بالمفهومات الضمنية ، وإتباعها بالمنطوقات القطعية .

ونظرًا لما أسلفنا بيانه في مقدمات السورة ومقدمات هذا المقطع منها ، من الظواهر والأعراض والاعتبارات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومئذ تجاه هذه الخطوة الحاسمة الخطيرة ، فقد أخذ السياق يثير في نفوس المسلمين ما يدفع عنهم التردد والتحرج والتهيب ، بإطلاعهم على حقيقة حال المشركين ومشاعرهم ونواياهم تجاه المسلمين ، وأنهم لا يرعون فيهم عهدًا ، ولا يتحرجون فيهم من شيء ولا يتذممون ، وأنهم لا يفون بعهد ، ولا يرتبطون بوعد؛ وأنهم لا يكفون عن الاعتداء متى قدروا عليه . وأن لا سبيل لمهادنتهم أو ائتمانهم ما لم يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون .

{ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله؟ } . .

إن المشركين لا يدينون لله بالعبودية خالصة ، وهم كذلك لا يعترفون برسالة رسوله . فكيف يجوز أن يكون لهؤلاء عهد عند الله وعند رسوله؟ إنهم لا يواجهون بالإنكار والجحود عبدًا مثلهم ، ولا منهجًا من مناهج العبيد من أمثالهم . إنما هم يواجهون بالجحود خالقهم ورازقهم؛ وهم يحادون الله ورسوله بهذا الجحود ابتداء . . فكيف يجوز أن يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله؟

هذه هي القضية التي يثيرها هذا السؤال الاستنكاري . . وهي قضية تنصب على مبدأ التعاهد ذاته؛ لا على حالة معينة من حالاته . .

وقد يستشكل على هذا بأنه كانت للمشركين عهود فعلًا؛ وبعض هذه العهود أمر الله بالوفاء بها . وأنه قد وقعت عهود سابقة منذ قيام الدولة المسلمة في المدينة . عهود مع اليهود وعهود مع المشركين . وأنه وقع عهد الحديبية في السنة السادسة للهجرة . وأن النصوص القرآنية في سور سابقة كانت تجيز هذه العهود ، وإن كانت تجيز نبذها عند خوف الخيانة . . فإذا كان مبدأ التعاهد مع المشركين هو الذي يرد عليه الإنكار هنا ، فكيف إذن أبيحت تلك العهود وقامت حتى نزل هذا الاستنكار الأخير لمبدأ التعاهد؟!

وهذا الاستشكال لا معنى له في ظل الفهم الصحيح لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي الذي أسلفنا الحديث عنه في مطالع هذه السورة وفي مطالع سورة الأنفال قبلها . . لقد كانت تلك المعاهدات مواجهة للواقع في حينه بوسائل مكافئة له؛ أما الحكم النهائي فهو أنه لا ينبغي أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله . . كانت أحكامًا مرحلية في طريق الحركة الإسلامية التي تستهدف ابتداء ألا يكون في الأرض شرك بالله؛ وأن تكون الدينونة لله وحده .

.ولقد أعلن الإسلام هدفه هذا منذ أول يوم ولم يخدع عنه أحدًا . فإذا كانت الظروف الواقعية تقضي بأن يدع من يسالمونه ابتداء من المشركين ليتفرغ لمن يهاجمونه؛ وأن يوادع من يريدون موادعته في فترة من الفترات . وأن يعاهد من يريدون معاهدته في مرحلة من المراحل ، فإنه لا يغفل لحظة عن هدفه النهائي الأخير؛ كما أنه لا يغفل عن أن هذه الموادعات والمعاهدات من جانب بعض المشركين موقوته من جانبهم هم أنفسهم . وأنهم لا بد مهاجموه ومحاربوه ذات يوم؛ وأنهم لن يتركوه وهم يستيقنون من هدفه؛ ولن يأمنوه على أنفسهم إلا ريثما يستعدون له ويستديرون لمواجهته . . ولقد قال الله للمسلمين منذ أول الأمر: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } وهي قولة الأبد التي لا تتخصص بزمن ولا بيئة! وقوله الحق التي لا تتعلق بظرف ولا حالة!

ومع استنكار الأصل ، فقد أذن الله - سبحانه - بإتمام عهود ذوي العهود الذين لم ينقصوا المسلمين شيئًا ولم يظاهروا عليهم أحدًا إلى مدتها ، مع اشتراط أن تكون الاستقامة على العهد - في هذه المدة - من المسلمين مقيدة باستقامة ذوي العهود عليها: { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، إن الله يحب المتقين } .

وهؤلاء الذين تشير الآية إلى معاهدتهم عند المسجد الحرام ليسوا طائفة أخرى غير التي ورد ذكرها من قبل في قوله تعالى: { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ، إن الله يحب المتقين } . . كما فهم بعض المفسرين المحدثين . . فهي طائفة واحدة ذكرت أول مرة بمناسبة عموم البراءة وإطلاقها ، لاستثنائها من هذا العموم . وذكرت مرة ثانية بمناسبة استنكار مبدأ التعاهد ذاته مع المشركين مخافة أن يظن أن هذا الحكم المطلق فيه نسخ للحكم الأول . . وذكرت التقوى وحب الله للمتقين هنا وهناك بنصها للدلالة على أن الموضوع واحد . كما أن النص الثاني مكمل للشروط المذكورة في النص الأول . ففي الأول اشتراط استقامتهم في الماضي ، وفي الثاني اشتراط استقامتهم في المستقبل . وهي دقة بالغة في صياغة النصوص - كما أسلفنا - لا تلحظ إلا بضم النصين الواردين في الموضوع الواحد ، كما هو ظاهر ومتعين .

ثم يعود لاستنكار مبدأ التعاهد بأسبابه التاريخية والواقعية؛ بعد استنكاره بأسبابه العقدية والإيمانية؛ ويجمع بين هذه وتلك في الآيات التالية: { كيف؟ وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاًّ ولا ذمة ، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيله ، إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة ، وأولئك هم المعتدون } . .

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت