فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 139

ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين ، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انتهى إليه الخبر ، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، ومعهما عبدالله بن رواحة ، وخوات بن جبير رضي الله عنهم فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًا فالحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس . وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس » . ( مما يصور ما كان يتوقعه صلى الله عيله وسلم من وقع الخبر في النفوس ) .« فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم . نالوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد! . . ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتلميح لا بالتصريح . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر . أبشروا يا معشر المسلمين

. ( تثبيتًا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ) .

ويقول ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء؛ واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم . حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين . . الخ .

فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب .فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره . ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرًا؛ وكفى الله المؤمنين القتال . . رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة منصورًا ، ووضع الناس السلاح ، « فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل من وعثاء المرابطة ، في بيت أم سلمة رضي الله عنها إذ تبدى له جبريل عليه السلام فقال: » أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: « نعم » . قال: « ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم » . ثم قال: « إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة » وكانت على أميال من المدينة . وذلك بعد صلاة الظهر . وقال - صلى الله عليه وسلم -: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة « فسار الناس في الطريق ، فأدركتهم الصلاة في الطريق ، فصلى بعضهم في الطريق ، وقالوا: لم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تعجيل المسير . وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة . فلم يعنف واحدًا من الفريقين .

وتبعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ( صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى . . ) رضي الله عنه وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم نازلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة . فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية . واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبدالله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فظن هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك . ولم يعلموا أن سعدًا رضي الله عنه كان قد أصابه سهم في أكحله ( وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ) أيام الخندق؛ فكواه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أكحله ، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب؛ وقال سعد رضي الله عنه فيما دعا به: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقنا لها؛ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها؛ ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة .فاستجاب الله تعالى دعاءه . وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم ، طلبًا من تلقاء أنفسهم .

فعند ذلك استدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة ليحكم فيهم . فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه جعل الأوس يلوذون به ، يقولون: يا سعد إنهم مواليك ، فأحسن عليهم . ويرققونه عليهم ويعطفونه . وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال رضي الله عنه: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . فعرفوا أنه غير مستبقيهم!

فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « قال رسول الله: » قوموا إلى سيدكم « فقام إليه المسلمون فأنزلوه؛ إعظامًا وإكرامًا واحترامًا له في محل ولايته ، ليكون أنفذ لحكمه فيهم .

فلما جلس قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: » إن هؤلاء وأشار إليهم قد نزلوا على حكمك . فاحكم فيهم بما شئت « فقال رضي الله عنه: وحكمي نافذ عليهم؟ قال: - صلى الله عليه وسلم -: » نعم « . قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: » نعم « . قال: وعلى من ها هنا ( وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معرض بوجهه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجلالًا وإكرامًا وإعظامًا ) . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: » نعم « . فقال رضي الله عنه: إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذريتهم وأموالهم . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة » ( أي سماوات ) .ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأخاديد فخدت في الأرض ، وجيء بهم مكتفين ، فضرب أعناقهم . وكانوا ما بين السبع مائة ، والثماني مائة . وسبي من لم ينبت ( كناية عن البلوغ ) مع النساء والأموال . وفيهم حيي بن أخطب . وكان قد دخل معهم في حصنهم كما عاهدهم .ومنذ ذلك اليوم ذلت يهود ، وضعفت حركة النفاق في المدينة؛ وطأطأ المنافقون رؤوسهم ، وجبنوا عن كثير مما كانوا يأتون . وتبع هذا وذلك أن المشركين لم يعودوا يفكرون في غزو المسلمين ، بل أصبح المسلمون هم الذين يغزونهم .

وقال تعالى: { وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) } [غافر/53-55]

وَلَقَدْ أَعْطَينَا مُوسَى الشَّرَائِعَ والمُعْجِزَاتِ التِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيهِ التَّوْرَاةَ ، وَفِيهَا مَا يَهْدِي بِهِ قَوْمَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَتَوَارَثُوهُ خَلَفًا مِنْ سَلَفٍ .

وَجَعَلْنَا التَّوْرَاةَ هُدًى يَهْتَدِي بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأَحْكَامِهَا ، وَتَذْكِرَةً لأَوْلِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ والأَفْهَامِ المُسْتَقِيمَةِ ( لأُوُلي الأَلْبَابِ ) .

فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ لأَمْرِ رَبِّكَ ، وَبَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وَأَيْقِنْ بِأَنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لَكَ ، وَنَاصِرُكَ وَمُؤَيِّدُكَ عَلَى مِنْ عَادَاكَ وَعَانَدَكَ ، وَكَفَرَ بِرِسَالَتِكَ ، وَسَلْ رَبَّكَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِكَ ، والصَّفْحَ عَنْكَ ، وَصَلِّ فِي طَرَفِيْ النِّهَارِ ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا فِي الصِّبَاحِ والمَسَاءِ .

وكان هذا نموذجًا من من نماذج نصر الله . إيتاء الكتاب والهدى . ووراثة الكتاب والهدى . وهذا النموذج الذي ضربه الله مثلًا في قصة موسى , يكشف لنا رقعة فسيحة , نرى فيها صورة خاصة من صور النصر تشير إلى الإتجاه .

وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا المقطع , توجيهًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن كانوا معه من المؤمنين في مكة في موقف الشدة والمعاناة . ولكل من يأتي بعدهم من أمته , ويواجهون مثل الموقف الذي كانوا فيه:

(فاصبر . إن وعد الله حق . واستغفر لذنبك , وسبح بحمد ربك , بالعشي والإبكار) . .

الإيقاع الأخير . . الدعوة إلى الصبر . . الصبر على التكذيب . والصبر على الأذى . والصبر على نفخة الباطل وانتشائه بالغلبة والسلطان في فترة من الزمان . والصبر على طباع الناس وأخلاقهم وتصرفاتهم من هنا ومن هناك . والصبر على النفس وميولها وقلقها وتطلعها ورغبتها في النصر القريب وما يتعلق به من رغائب وآمال . والصبر على أشياء كثيرة في الطريق قد تجيء من جانب الأصدقاء قبل أن تجيء من جانب الأعداء !

(فاصبر . إن وعد الله حق) . . مهما يطل الأمد , ومهما تتعقد الأمور , ومهما تتقلب الأسباب . إنه وعد من يملك التحقيق , ومن وعد لأنه أراد .

وفي الطريق , خذ زاد الطريق: (واستغفر لذنبك , وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) . .

هذا هو الزاد , في طريق الصبر الطويل الشاق . استغفار للذنب , وتسبيح بحمد الرب . والاستغفار المصحوب بالتسبيح وشيك أن يجاب , وهو في ذاته تربية للنفس وإعداد . وتطهير للقلب وزكاة . وهذه هي صورة النصر التي تتم في القلب , فتعقبها الصورة الأخرى في واقع الحياة .

واختيار العشي والإبكار . إما كناية عن الوقت كله - فهذان طرفاه - وإما لأنهما آنان يصفو فيهما القلب , ويتسع المجال للتدبر والسياحة مع ذكر الله .

هذا هو المنهج الذي اختاره الله لتوفير عدة الطريق إلى النصر وتهيئة الزاد . ولا بد لكل معركة من عدة ومن زاد . .

وقال تعالى: { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) } [غافر/77]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّبْرِ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَ مِنْ قَوْمِهِ ، فَإِنَّ اللهَ سَيُنْجِزُ وَعْدَهُ ، وَسَيُظْهِرُهُ بِأَعْدَائِهِ ، وَسَيُنْزِلُ العِقَابَ بِالمُكَذِّبِينَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ . ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: إِمَّ أَنْ يُرِيَهُ فِي حَيَاتِهِ بَعْضَ الذِي يَعِدُهُمْ مِنَ العَذَاب والنَّقْمَةِ ، كَالقَتْلِ والأَسْرِ فِي بَدْرٍ ، فَذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللهُ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ بِهِم عُقُوبَتَهُ وَعَذَابَهُ فَإِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ فِي الآخِرَةِ عِقَابًا شَدِيدًا حِينَمَا يُرْجَعُونَ إِلَيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ .

وهنا نقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق . إن هذا الرسول الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود ، يقال له ما مفهومه: أد واجبك وقف عنده . فأما النتائج فليست من أمرك . حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق بعض وعيد الله للمتكبرين المكذبين ليس له أن يعلق به قلبه! إنه يعمل وكفى . يؤدي واجبه ويمضي . فالأمر ليس أمره . والقضية ليست قضيته . إن الأمر كله لله . والله يفعل به ما يريد .يا لله! يا للمرتقى العالي .

ويا للأدب الكامل . الذي يأخذ الله به أصحاب هذه الدعوة . في شخص رسوله الكريم .

وإنه لأمر شاق على النفس البشرية . أمر يحتاج إلى الصبر على أشواق القلب البشري العنيفة . ألعله من أجل هذا كان التوجيه إلى الصبر في هذا الموضع من السورة . فلم يكن هذا تكرارًا للأمر الذي سبق فيها . إنما كان توجيهًا إلى صبر من لون جديد . ربما كان أشق من الصبر على الإيذاء والكبر والتكذيب ?!

إن احتجاز النفس البشرية عن الرغبة في أن ترى كيف يأخذ الله أعداءه وأعداء دعوته , بينما يقع عليها العداء والخصومة من أولئك الأعداء , أمر شديد على النفس صعيب . ولكنه الأدب الإلهي العالي , والإعداد الإلهي لأصفيائه المختارين , وتخليص النفس المختارة من كل شيء لها فيه أرب , حتى ولو كان هذا الأرب هو الانتصار من أعداء هذا الدين !

ولمثل هذه اللفتة العميقة ينبغي أن تتوجه قلوب الدعاة إلى الله في كل حين . فهذا هو حزام النجاة في خضم الرغائب , التي تبدو بريئة في أول الأمر , ثم يخوض فيها الشيطان بعد ذلك ويعوم !

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت