فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 139

وهو يخالف الأناجيل الأربعة المعتمدة ، في قصة القتل والصلب ، فيقول:

« ولما دنت الجنود مع يهوذا ، من المحل الذي كان فيه يسوع ، سمع يسوع دنو جم غفير . فلذلك انسحب إلى البيت خائفًا . وكان الأحد عشر نيامًا . فلما رأى الخطر على عبده ، أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل ، سفراءه . . أن يأخذوا يسوع من العالم . فجاء الملائكة الأطهار ، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب ، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة ، في صحبة الملائكة التي تسبح إلى الأبد . . ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع . وكان التلاميذ كلهم نيامًا . فأتى الله العجيب بأمر عجيب فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه فصار شبيهًا بيسوع . حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع . أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم . لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيدي معلمنا . أنسيتنا الآن؟ . . . إلخ » .

وهكذا لا يستطيع الباحث أن يجد خبرًا يقينًا عن تلك الواقعة - التي حدثت في ظلام الليل قبل الفجر - ولا يجد المختلفون فيها سندًا يرجح رواية على رواية .

{ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه . ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } .

أما القرآن فيقرر قراره الفصل: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } .

{ وماقتلوه يقينًا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا } .ولا يدلي القرآن بتفصيل في هذا الرفع أكان بالجسد والروح في حالة الحياة؟ أم كان بالروح بعد الوفاة؟ ومتى كانت هذه الوفاة وأين . وهم ما قتلوه وما صلبوه وإنما وقع القتل والصلب على من شبه لهم سواه .

لا يدلي القرأن بتفصيل آخر وراء تلك الحقيقة؛ إلا ما ورد في السورة الأخرى من قوله تعالى { يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي } . . وهذه كتلك لا تعطي تفصيلًا عن الوفاة ولا عن طبيعة هذا التوفي وموعده . . ونحن - على طريقتنا في ظلال القرآن - لا نريد أن نخرج عن تلك الظلال؛ ولا أن نضرب في أقاويل وأساطير؛ ليس لدينا من دليل عليها ، وليس لنا إليها سبيل . .

ونعود من هذا الاستطراد ، مع عودة السياق القرآني إلى بقية هذا الاستدراك: { وإنْ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته؛ ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا } .

وقد اختلف السلف في مدلول هذه الآية ، باختلافهم في عائد الضمير في « موته » فقال جماعة: وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى - عليه السلام - قبل موته - أي عيسى - وذلك على القول بنزوله قبيل الساعة . . وقال جماعة وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى قبل موته . . أي موت الكتابي - وذلك على القول بأن الميت - وهو في سكرات الموت - يتبين له الحق ، حيث لا ينفعه أن يعلم!

ونحن أميل إلى هذا القول الثاني؛ الذي ترشح له قراءة أبيّ: { إلا ليؤمننّ به قبل موتهم } .. فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير؛ وأنه أهل الكتاب . . وعلى هذا الوجه يكون المعنى: أن اليهود الذين كفروا بعيسى - عليه السلام - وما زالوا على كفرهم به ، وقالوا: إنهم قتلوه وصلبوه ، ما من أحد منهم يدركه الموت ، حتى تكشف له الحقيقة عند حشرجة الروح ، فيرى أن عيسى حق ، ورسالته حق ، فيؤمن به ، ولكن حين لا ينفعه إيمان . . ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدًا .بذلك يحسم القرآن الكريم قصة الصلب .

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت