إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للأيمان ، ونقض للعهود . وأقرب ما كان من هذا نقضهم لعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية . ولقد قبل - صلى الله عليه وسلم - من شروطهم - بإلهام من ربه وهداية - ما حسبه بعض أفاضل أصحابه قبولًا للدنية! ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه ، ولكنهم هم لم يفوا ، وخاسوا بالعهد عامين اثنين ، عند أول فرصة سنحت . . كما أن المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل في مكة؛ وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة . وكان هذا في بيت الله الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله؛ حتى لكان الواحد يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء . أما محمد رسول الله ، الداعي إلى الهدى والإيمان وعبادة الله وحده ، فلم يرعوا معه هذه الخصلة؛ وهموا بإخراجه؛ ثم تآمروا على حياته؛ وبيتوا قتله في بيت الله الحرام ، بلا تحرج ولا تذمم مما . كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة . فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها؛ ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق . ثم جمعوا لهم في حنين كذلك . . وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة؛ وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول الله تعالى: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون الله تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا الله . .
وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث ، في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين ، يخاطبهم: { أتخشونهم؟ } . .فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب!
ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال: { فالله أحق أن تخشوه ، إن كنتم مؤمنين } . .إن المؤمن لا يخشى أحدًا من العبيد . فالمؤمن لا يخشى إلا الله ، فإذا كانوا يخشون المشركين فالله أحق بالخشية ، وأولى بالمخافة؛ وما يجوز أن يكون لغيره في قلوب المؤمنين مكان!
وإن مشاعر المؤمنين لتثور؛ وهي تستجاش بتلك الذكريات والوقائع والأحداث . . وهم يذكرون بتآمر المشركين على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - . . وهم يستعرضون نكث المشركين لعهودهم معهم وتبييتهم لهم الغدر كلما التمسوا منهم غرة ، أو وجدوا في موقفهم ثغرة . وهم يتذكرون مبادأة المشركين لهم بالعداء والقتال بطرًا وطغيانًا . . وفي غمرة هذه الثورة يحرض المؤمنين على القتال:
{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ، وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ، ويذهب غيظ قلوبهم } . .
قاتلوهم يجعلكم الله ستار قدرته ، وأداة مشيئته ، فيعذبهم بأيديكم ويخزهم بالهزيمة وهم يتخايلون بالقوة ، وينصركم عليهم ويشف صدور جماعة من المؤمنين ممن آذاهم وشردهم المشركون . يشفها من غيظها المكظوم ، بانتصار الحق كاملًا ، وهزيمة الباطل ، وتشريد المبطلين . .
وليس هذا وحده ولكن خيرًا آخر يُنتظر وثوابًا آخر يُنال: { ويتوب الله على من يشاء } . .
فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان ، ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين يُنصرون ، ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم ، ويرون آثار الإيمان في مواقفهم - وهذا ما كان فعلًا - وعندئذٍ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم ، وأجر هداية الضالين بأيديهم؛ وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين: { والله عليم حكيم } .
عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات . حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات .
إن بروز قوة الإسلام وتقريرها ليستهوي قلوبًا كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف ، أو الإسلام المجهول القوة والنفوذ . وإن الدعوة إلى الإسلام لتختصر نصف الطريق حين تكون الجماعة المسلمة بادية القوة ، مرهوبة الجانب ، عزيزة الجناب .
على أن الله سبحانه وهو يربي الجماعة المسلمة بالمنهج القرآني الفريد لم يكن يعدها وهي في مكة قلة قليلة مستضعفة مطاردة ، إلا وعدًا واحدًا: هو الجنة .ولم يكن يأمرها إلا أمرًا واحدًا: هو الصبر . . فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب ، آتاها الله النصر؛ وجعل يحرضها عليه ويشفي صدورها به . ذلك أن الغلب والنصر عندئذ لم يكن لها ولكن لدينه وكلمته . وإن هي إلا ستار لقدرته . .
ثم إنه لم يكن بد أن يجاهد المسلمون المشركين كافة ، وأن تنبذ عهود المشركين كافة؛ وأن يقف المسلمون إزاءهم صفًا . . لم يكن بد من ذلك لكشف النوايا والخبايا ، ولإزالة الأستار التي يقف خلفها من لم يتجرد للعقيدة ، والأعذار التي يحتج بها من يتعاملون مع المشركين للكسب ، ومن يوادونهم لآصرة من قربى أو مصلحة . . لم يكن بد من إزالة هذه الأستار والمعاذير ، وإعلان المفاصلة للجميع ، لينكشف الذين يخبئون في قلوبهم خبيئة ، ويتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة ، يلجون منها إلى مصالحهم وروابطهم مع المشركين ، في ظل العلاقات غير المتميزة أو الواضحة بين المعسكرات المختلفة: { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ، والله خبير بما تعملون } . .
لقد كان في المجتمع المسلم - كما هو الحال عادة - فئة تجيد المداورة ، وتنفذ من الأسوار . وتتقن استخدام الأعذار . وتدور من خلف الجماعة ، وتتصل بخصومها استجلابًا للمصلحة ولو على حساب الجماعة ، مرتكنة إلى ميوعة العلاقات ووجود ثغرات في المفاصلة بين المعسكرات . فإذا وضحت المفاصلة وأعلنت قطعت الطريق على تلك الفئة ، وكشفت المداخل والمسارب للأنظار .
وإنه لمن مصلحة الجماعة ، ومن مصلحة العقيدة ، أن تهتك الأستار وتكشف الولائج ، وتعرف المداخل ، فيمتاز المكافحون المخلصون ، ويكشف المداورون الملتوون ، ويعرف الناس كلا الفريقين على حقيقته ، وإن كان الله يعلمهم من قبل: { والله خبير بما تعملون } . .
ولكنه سبحانه يحاسب الناس على ما يتكشف من حقيقتهم بفعلهم وسلوكهم . وكذلك جرت سنته بالابتلاء لينكشف الخبيء وتتميز الصفوف ، وتتمحص القلوب . ولا يكون ذلك كما يكون بالشدائد والتكاليف والمحن والابتلاءات .
وقال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (29) سورة التوبة
بَعْدَ أَنِ اسْتَقَامَتِ الأمُورُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ ، بِدُخُولِ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ ، أمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ ، لِذَلِكَ تَجَهَّزَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - لِقِتَالِ الرُّومِ ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ ، وَنَدَبَ المُؤْمِنِينَ إِلَى الجِهَادِ ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ ، وَكَانَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ جَدْبٍ ، وَالْوَقْتُ فِي شِدَّةِ الحَرِّ ، وَخَرَجَ الرَّسُولُ وَصَحْبُهُ إِلَى تَبُوكَ ، فَنَزَلَ بِهَا ، وَأَقَامَ فِيهَا قُرَابَةَ عِشْرِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ رَجَعَ لِضِيقِ الحَالِ ، وَضَعْفِ النَّاسِ .
فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ قِتَالَهُ ، حَتَّى يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مَقْهُورَةٍ مَغْلُوبَةٍ ، وَهُوَ خَاضِعٌ صَاغِرٌ .
وَيَجِبُ قِتَالُ أَهْلِ الكِتَابِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أَرْبَعُ صِفَاتٍ هِيَ العِلَّةُ فِي عَدَاوَتِهِمْ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ:
-أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ، لأَنَّهُمْ هَدَمُوا التَّوْحِيدَ فَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ مُشَرِّعِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ المَسِيحَ وَعُزَيْرًا .
-أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ ، إِذْ يَقُولُونَ إِنَّ الحَيَاةَ الآخِرَةَ هِيَ حَيَاةٌ رُوحَانِيَّةٌ يَكُونُ فِيهَا النَّاسُ كَالمَلائِكَةِ
-أَنَّهُمْ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولَهُ ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِمَا حَرَّمَ عَلَيهِمْ .
-أَنَّهُمْ لاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ الذِي أَوْحَاهُ اللهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ دِينًا وَضَعَهُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَأَسْاقِفَتُهُمْ .
وفي الظلال [1] :
لقد لخص الإمام ابن القيم سياق الجهاد في الإسلام في"زاد المعاد", في الفصل الذي عقده باسم:"فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل:أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى:أن يقرأ باسم ربه الذي خلق . وذلك أول نبوته . فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ . ثم أنزل عليه: (يا أيها المدثر . قم فأنذر) فنبأه بقوله: (اقرأ) وأرسله ب (يا أيها المدثر) . ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين . ثم أنذر قومه . ثم أنذر من حولهم من العرب . ثم أنذر العرب قاطبة . ثم أنذر العالمين . فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ; ويؤمر بالكف والصبر والصفح . ثم أذن له في الهجرة , وأذن له في القتال . ثم أمره أن يقاتل من قاتله , ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله . ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله . . ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام:أهل صلح وهدنة . وأهل حرب . وأهل ذمة . فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم , وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ; فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد . وأمر أن يقاتل من نقض عهده . . ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها:فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام . وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم . فجاهد الكفار بالسيفوالسنان , والمنافقين بالحجة واللسان . وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم . . وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:قسمًا أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده , ولم يستقيموا له , فحاربهم وظهر عليهم . وقسمًا لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه , فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم . وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه ; أو كان لهم عهد مطلق , فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر ; فإذا انسلخت قاتلهم . . فقتل الناقض لعهده ; وأجل من لا عهد له , أو له عهد مطلق , أربعة أشهر . وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته ; فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم . وضرب على أهل الذمة الجزية . . فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام:محاربين له , وأهل عهد , وأهل ذمة . . ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين:محاربين وأهل ذمة . والمحاربون له خائفون منه . فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام:مسلم مؤمن به . ومسالم له آمن . وخائف محارب . . وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ; ويكل سرائرهم إلى الله ; وأن يجاهدهم بالعلم والحجة ; وأمر أن يعرض عنهم , ويغلظ عليهم , وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم , ونهي أن يصلي عليهم , وأن يقوم على قبورهم , وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم . . فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين". .
ومن هذا التلخيص الجيد لمراحل الجهاد في الإسلام تتجلى سمات أصيلة وعميقة في المنهج الحركي لهذا الدين , جديرة بالوقوف أمامها طويلًا . ولكننا في هذه الظلال لا نملك إلا أن نشير إليها إشارات مجملة:
السمة الأولى:هي الواقعية الجدية في منهج هذا الدين . . فهو حركة تواجه واقعًا بشريًا . . وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي . . إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية ; تقوم عليها أنظمة واقعية عملية ; تسندها سلطات ذات قوة مادية . . ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه . . تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها ; تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات ; وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعبدهم لغير ربهم الجليل . . إنها حركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي . كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد . . وهذه كتلك سواء في منهج هذا الدين وهو يتحرك لإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده كما سيجيء .
والسمة الثانية في منهج هذا الدين . . هي الواقعية الحركية . فهو حركة ذات مراحل . كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية . وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها . . فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة . كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة . . والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد , ولا يراعون هذه السمة فيه , ولا يدركون طبيعة المراحل التي مر بها هذا المنهج , وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها . . الذين يصنعون هذا يخلطون خلطًا شديدًا ; ويلبسون منهج هذا الدين لبسًا مضللًا , ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية . ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصًا نهائيًا ; يمثل القواعد النهائية في هذا الدين . ويقولون - وهم مهزومون روحيًا وعقليًا تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان:إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع ! ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلًا بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعًا , وتعبيد الناس لله وحده , وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد ! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته . ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة . . بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة , أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها . .
والسمة الثالثة:هي أن هذه الحركة الدائبة , والوسائل المتجددة , لا تخرج هذا الدين عن قواعده المحددة , ولا عن أهدافه المرسومة . فهو منذ اليوم الأول - سواء وهو يخاطب العشيرة الأقربين , أو يخاطب قريشًا , أو يخاطب العرب أجمعين , أو يخاطب العالمين , إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ; ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد . . هو إخلاص العبودية لله , والخروج من العبودية للعباد . . لا مساومة في هذه القاعدة ولا لين . ثم يمضي إلى تحقيق هذا الهدف الواحد , في خطة مرسومة ; ذات مراحل محددة ; لكل مرحلة وسائلها المتجددة . على نحو ما أسلفنا في الفقرة السابقة .
والسمة الرابعة:هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى - على النحو الملحوظ في ذلك التلخيص الجيد الذي نقلناه عن"زاد المعاد". وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه ; أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي , أو قوة مادية . وأن تخلي بينه وبين كل فرد , يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته . ولكن لا يقاومه ولا يحاربه ! فإن فعل ذلك أحد كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله أو حتى يعلن استسلامه !
والمهزومون روحيًا وعقليًا ممن يكتبون عن"الجهاد في الإسلام"ليدفعوا عن الإسلام هذا"الاتهام !". . يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة , وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه ; والتي تعبد الناس للناس ; وتمنعهم من العبودية لله . . وهما أمران لا علاقة بينهما ولا مجال للالتباس فيهما . . ومن أجل هذا التخليط - وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة !- يحاولون أن يحصروا الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم:"الحرب الدفاعية". . والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم , ولا بواعثها , ولا تكييفها كذلك . . إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة"الإسلام"ذاته , ودوره في هذه الأرض , وأهدافه العليا التي قررها الله ; وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة , وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات . .
إن هذا الدين إعلان عام لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين . . إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها:الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها ; والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور . . أو بتعبير آخر مرادف:الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور . . ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر , ومصدر السلطات فيه هم البشر , هو تأليه للبشر , يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون الله . . إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله ; وطرد المغتصبين له ; الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ; ويقوم الناس منهم مقام العبيد . . إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض . . أو بالتعبير القرآني الكريم: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) . .
(إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه . . ذلك الدين القيم . .) . .
(قل:يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم:ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا , ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله . فإن تولوا فقولوا:اشهدوا بأنا مسلمون) . .
ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة , ولا رجال ينطقون باسم الآلهة , كما كان الحال في ما يعرف باسم"الثيوقراطية"أو الحكم الإلهي المقدس !!! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة ; وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة .
وقيام مملكة الله في الأرض , وإزالة مملكة البشر . وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده . وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية . . كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان . لأن المتسلطين على رقاب العباد , المغتصبين لسلطان الله في الأرض , لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان . وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض ! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال !
إن هذا الإعلان العام لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من كل سلطان غير سلطان الله , بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين , لم يكن إعلانًا نظريًا فلسفيًا سلبيًا . . إنما كان إعلانًا حركيًا واقعيًا إيجابيًا . . إعلانًا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله ; ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك . . ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل"الحركة"إلى جانب شكل"البيان". . ذلك ليواجه"الواقع"البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه .
والواقع الإنساني , أمس واليوم وغدًا , يواجه هذا الدين - بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من كل سلطان غير سلطان الله - بعقبات اعتقادية تصورية . وعقبات مادية واقعية . . عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية , إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة . . وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد . .وإذا كان"البيان"يواجه العقائد والتصورات , فإن"الحركة"تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية , والعنصرية والطبقية , والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة . . وهما معًا - البيان والحركة - يواجهان"الواقع البشري"بجملته , بوسائل مكافئة لكل مكوناته . . وهما معًا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض . ."الإنسان"كله في"الأرض"كلها . . وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى !
إن هذا الدين ليس إعلانًا لتحرير الإنسان العربي ! وليس رسالة خاصة بالعرب ! . . إن موضوعه هو"الإنسان". . نوع"الإنسان". . ومجاله هو"الأرض". . كل الأرض . إن الله - سبحانه - ليس ربًا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم . . إن الله هو (رب العالمين) . . وهذا الدين يريد أن يرد (العالمين) إلى ربهم ; وأن ينتزعهم من العبودية لغيره . والعبودية الكبرى - في نظر الإسلام - هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر . . وهذه هي"العبادة"التي يقرر أنها لا تكون إلا لله . وأن من يتوجه بها لغير الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه في هذا الدين . ولقد نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن"الاتباع"في الشريعة والحكم هو"العبادة"التي صار بها اليهود والنصارى"مشركين"مخالفين لما أمروا به من"عبادة"الله وحده . .
أخرج الترمذي - بإسناده - عن عدى بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام . وكان قد تنصر في الجاهلية . فأسرت أخته وجماعة من قومه . ثم منّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها . فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام , وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحدث الناس بقدومه . فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقه [ أي عدي ] صليب من فضة وهو [ أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ] يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) . . قال:فقلت:إنهم لم يعبدوهم . فقال:"بلى ! إنهم حرموا عليهم الحلال , وأحلوا لهم الحرام . فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم". .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 203)